اراء

استُشهد سيد الشيعة كما استُشهد جده علي”ع”

بقلم/ د. علي المؤمن..
حين أيقنتُ خبر اغتيال الإمام الخامنئي شعرتُ كأنّ روحي ارتدت إلى ذلك الفجر البعيد؛ فجر الكوفة حين انشقّ الصبح على جرحٍ عظيم، وسقط أمير المؤمنين علي في محراب صلاته مضرجاً بدم الطهر، تحفّه عيون أبنائه وأهل بيته وأنصاره.
في تلك اللحظة لبست روحي وجع الشيعة الممتد من محراب علي إلى ضمير التأريخ.
ومع ذلك، لم يكن وجعي كوجع الشيعة بكربلاء؛ يوم تُرك الحسين وحيداً مظلوماً بلا ناصر ولا معين، تتكاثر عليه السيوف وتدوس جسده خيول الخارجين على الله، وتُحرق خيامه وتُسبى عياله. ذلك يومٌ لا يشبهه يوم، وجرحٌ لا يشبهه جرح؛ فلا يوم كيوم الحسين.
ولهذا، فإن سید الشيعة لم يكن وحيداً كما كان جدّه الحسين، ولم يُقتل كما قُتل الحسين، وإنما كانت واقعة قتله كواقعة قتل جدّه علي.
نعم، احترق قلبي وسرت في عروقي حزمٌ من نارٍ حين سمعت الخبر الیقین، غير أن شيئاً آخر كان يتسلل إلى أعماقي؛ إحساسٌ بالمهابة والزهو. فقد قُتل الإمام الخامنئي في محراب المسؤولية والعمل، وهو يقود الأمة ويرشدها ويصلح مساراتها ويضبط أهدابها.
استشهد وهو على رأس دولة قوية عملاقة، تحيط به مؤسساتها وقادتها وجموع أنصارها.

استشهد في قلب أمةٍ متماسكة تمتد عبر الجغرافيا، وفي ظل ملايين خرجوا يعزّون وهم يلوِّحون بالعهد والوفاء، لا في إيران وحدها، بل في كل بقعةٍ من الأرض حيث يوجد إصبعٌ علويٌّ يضغط على الزناد، وحنجرةٌ زينبيةٌ تصرخ بمواصلة الدرب.
ثم ستحمل جنازته أكف الملايين، وتشيعه قلوب مئات الملايين.
لقد قُتل الإمام الخامنئي والشيعة يعيشون عصراً مختلفاً؛ عصر انتصارات علي ونهضة علي. كان يعيش في قلب أمةٍ عظيمة عدّة وعدداً، تمتد عبر الجغرافيا. ثلاثمائة وخمسون مليون شيعي، من الجزائر إلى إندونيسيا، كانوا معه بقلوبهم وعقولهم وحناجرهم ودعائهم وأقلامهم، بل وبأيديهم أيضاً.
لم تتركه هذه الأمة وحيداً یوماً، كما لم تترك الإمام الخميني حين تكاثرت عليه أنظمة أمريكا والغرب والبعث ودول الطوائف، فانتصر بها عليهم، وليس كما تركت شرائحُ من الأمة قادتها ومراجعها وفقهاءها من قبل، بل لوّمتهم فاسترخص العدو دماءهم وقتلهم بعد أن عرّضهم لأشد ألوان المعاناة أمام عيون الأمة.
أما الأقليات الخارجة عن إجماع عصر النهوض الشيعي، فهي كما هي في كل زمن: إما صامتةً تتفرج، كحياد من رفضوا الوقوف إلى جانب أمير المؤمنين في صفين؛ أو مُرجفةً تخاف ظلها وتثبط عزائم الناس، كالذين أرعبهم جيش الشام فتركوا الإمام الحسين وحيداً، أو مارقةً ظلت تتمنى لو تمكنت أمريكا وإسرائيل من إزاحة الخامنئي عن طريقها، كما فعل من قبل بعض المحسوبین على المذهب للتخلص من الإمام الصادق.

لقد خلّف المرجع الشهيد الخامنئي مشروعاً يتجسد في دولة إقليمية مهيبة، وفي امتداد جيوسياسي وجيوستراتيجي غير مسبوق، وفي مئات الملايين من الشيعة الذين يعيشون روح الانتصار وشموخ النهوض وعنفوان الثقة. فهو لم يترك إرثاً فكرياً ومعنوياً وروحياً عظيماً فحسب، بل ترك أيضاً إرثاً مادياً وسياسياً قوياً، متجذراً على الأرض؛ نهضةً لم يعرف الشيعة مثلها منذ قرون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى