دخول اللاعب الإيراني الجديد وتحويل موازين القوة

ضياء أبو معارج الدراجي..
حين تتغير طبيعة السلاح، تتغير معها قواعد المعركة. وما نشهده اليوم مع دخول الطائرات المسيّرة الإيرانية النفاثة إلى الميدان ليس مجرد تطوير تقني عابر، بل هو تحول استراتيجي واضح في فلسفة استخدام الطائرات المسيّرة. فبعد سنوات من الاعتماد على المحركات المروحية البطيئة نسبياً، انتقلت إيران إلى جيل جديد يعتمد على المحركات النفاثة، وهو انتقال يعني ببساطة السرعة العالية، وتقليص زمن رد الفعل لدى منظومات الدفاع الجوي، وتعقيد مهمة الاعتراض.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل من قراءة دقيقة لطبيعة الدفاعات الجوية الحديثة. فمعظم أنظمة الاعتراض بُنيت للتعامل مع أهداف بطيئة نسبياً أو ذات بصمة محددة يمكن تتبعها بسهولة. أما حين تتحول المسيّرة إلى هدف سريع يقترب من سرعة الطائرات المقاتلة الخفيفة، فإن نافذة الاعتراض تصبح ضيقة للغاية.
ومن أبرز هذه المسيرات التي دخلت الخدمة أو جرى تطويرها مؤخراً:
1-المسيّرة “حديد 110” (دالاهو)
تُعد من أحدث الطائرات الانتحارية النفاثة التي دخلت الخدمة في آذار 2026، وقد صُممت بهيكل ذي خصائص شبه شبحية لتقليل البصمة الرادارية. تعمل بمحرك نفاث من نوع توربوجيت يمنحها سرعة تصل إلى نحو 517 كيلومتراً في الساعة، مع مدى عملياتي يقارب 350 كيلومتراً. تحمل رأساً حربياً يزن نحو 30 كيلوغراماً من المتفجرات الشديدة، ويتم إطلاقها عبر معزز صاروخي، ما يمنحها قدرة كبيرة على الانتشار من منصات متحركة وفي ظروف ميدانية مختلفة.
2-شاهد-238
تمثل هذه الطائرة النسخة النفاثة المطورة من المسيّرة المعروفة شاهد-136 التي اشتهرت خلال السنوات الماضية. الجديد في هذه النسخة هو محركها النفاث التوربيني، مثل محرك Toloue-10 أو PBS TJ150، ما يرفع سرعتها إلى ما بين 520 و600 كيلومتر في الساعة، وقد تصل في بعض النسخ إلى 800 كيلومتر في الساعة.
كما طُورت بثلاثة أنماط توجيه مختلفة: توجيه بالأقمار الصناعية، وتوجيه بصري أو حراري، إضافة إلى نسخة مخصصة لمهاجمة الرادارات. هذه السرعة العالية تقلص الزمن المتاح لمنظومات الدفاع الجوي بشكل كبير مقارنة بالمسيّرات المروحية البطيئة.
2-المسيّرة “كرار”
تُعد من أقدم المسيرات النفاثة الإيرانية، لكنها ما زالت واحدة من أكثرها قوة وتنوعاً في المهام. فهي قادرة على العمل كطائرة هدفية للتدريب، أو كطائرة انتحارية، أو كمنصة لإطلاق القنابل والصواريخ. تصل سرعتها إلى نحو 900 كيلومتر في الساعة، ويمكنها حمل قنابل بوزن 250 كيلوغراماً أو صواريخ جو-جو، كما تستطيع التحليق على ارتفاعات تصل إلى 40 ألف قدم، ما يمنحها مرونة عملياتية كبيرة.
إن الاتجاه نحو المحركات النفاثة في الطائرات المسيّرة الإيرانية ليس مجرد تحسين في الأداء، بل تغيير في فلسفة الاستخدام. فبدلاً من التركيز على المدى الطويل والبطء النسبي، يجري اليوم التركيز على السرعة العالية وتقليص زمن الاستجابة لدى الخصم.
بعبارة أخرى، أصبحت المعادلة الجديدة تقوم على مباغتة الهدف بسرعة كبيرة تجعل أنظمة الدفاع الجوي أمام وقت محدود للغاية لاتخاذ القرار والاعتراض. وفي ساحات الصراع الحديثة، حيث تلعب الثواني دوراً حاسماً، قد يكون هذا التحول كفيلاً بإعادة رسم ميزان القوة في الجو.



