اراء

هل تخسر أمريكا الحرب مع إيران؟ قراءة في تنبُّؤ البروفسور جيانغ شيوكن

بقلم: محمد حسب الرسول..

القوة العظمى لا تُستنزف في معركة واحدة، بل عبر تراكم الكلفة والوقت والضغط الداخلي؛ وإذا كان التفوّق العسكري يمنح قدرة على ردع، فإنّ طول أمد الحرب يختبر حدود هذا التفوّق.

في خضمّ التحوّلات المتسارعة في المنطقة، يبرز اسم البروفسور الصيني جيانغ شيوكين كأحد الأصوات التي تتبنّى قراءة استشرافية جريئة لمسار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

جيانغ، الأكاديمي الصيني وخريج جامعة ييل، اشتهر عبر منصته “Predictive History” بمقاربته التي تقارن بين سلوك الإمبراطوريات في لحظات الصعود والاختبار.

في عام 2024، طرح ثلاثة تنبؤات: عودة دونالد ترامب للرئاسة، اندلاع حرب مع إيران، ثمّ احتمال خسارة أميركا لهذه الحرب. ومع تحقّق التوقّعين الأولين، اكتسب الثالث أهمية خاصة، لأنه قدّم مشهداً لنتيجة الحرب يقوم على معادلة قدرة طرفيها على الصمود وليس حجم القوة.

أطروحة جيانغ.. الاستنزاف كاستراتيجية

ينطلق جيانغ من فرضية أنّ ما يجري ليس مواجهة تقليدية يمكن حسمها سريعاً، إنما تآكل تدريجي تبني إيران استراتيجتها على أساسه. ففي حرب فيتنام، لم تخسر أميركا بسبب نقص في القوة النارية، بل لأنّ الحرب تحوّلت إلى صراع طويل نجحت فيه الإرادة الفيتنامية في استنزاف الإرادة السياسية والاقتصادية الأميركية، الأمر الذي أفقد القوة العسكرية تفوّقها الوظيفي.

لكنّ المقارنة مع فيتنام تحتاج إلى ضبط؛ فإيران اليوم تمتلك قدرات لم يتوفّر معشارها لفيتنام: ترسانة صاروخية باليستية دقيقة، وبرنامج مسيّرات فعّال، وقدرات حرب إلكترونية، يضاف إليها شركاء إقليميون فاعلون، فضلاً عن السيطرة على مضيق هرمز الذي يمرّ عبره ثلث نفط العالم. هذه القدرات مجتمعة تعزّز إمكانية إيران في الصمود والمدافعة، وتمكّنها من تحقيق استنزاف أعمق وأوسع لخصومها مما حقّقته حرب العصابات في فيتنام.

الخليج كساحة استنزاف متبادلة

يبرز الخليج كحلقة استراتيجية مركزية، إذ لا يقتصر دوره على تأمين الملاحة والطاقة، بل يشكّل العمود الفقري للاقتصاد الأميركي واستثماراته في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

إسرائيل” ومخاوف الاستنزاف

إسرائيل”، الشريك الأساسي لأميركا في هذه الحرب، بل هي التي ورّطت الأخيرة فيها. وهي تعتمد في عقيدتها العسكرية على الحروب الخاطفة والحسم السريع، وليس على مواجهات مطوّلة تستنزف الموارد وتهدّد قدرات ومقوّمات وجود الكيان، وقد أظهر “المجتمع الإسرائيلي” دوماً حساسية متزايدة تجاه الخسائر البشرية والضغوط النفسية والاقتصادية. وتثبت ردود الفعل في هذه الحرب وهي في أسبوعها الأول، أنّ “المجتمع” غير راغب في الحرب ويخافها، وأنّ قدرته على تحمّل صراع طويل محدودة جداً إن لم تكن معدومة.

الصين وروسيا.. المستفيد الأكبر من الاستنزاف

لا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن موقف روسيا والصين، اللتين تراقبان بدقة تطوّرات الصراع كفرصة لتقويض النفوذ الأميركي.

فموسكو، المنخرطة في حرب استنزاف في أوكرانيا، تدرك قيمة انشغال واشنطن في “مستنقع” استنزاف شرق أوسطي جديد، وهي مرشّحة لتوفير دعم سياسي وتقني وأمني لإيران، خاصة في مجالات الدفاع الجوي التي صُقلت في الميدان الأوكراني ردّاً لجميل ودين مستحقّ لطهران، وفي سياق اتفاق الشراكة الاستراتيجية القائم بين البلدين، حرصاً من موسكو في تحقيق أعلى درجات الإنهاك الأميركي في هذا الوقت.

أما الصين، فتنظر إلى الصراع من زاوية جيواستراتيجية عميقة، مدعومة باتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تربطها بطهران، وتوحّد الطرفين في تحالف صلب ضدّ اليمنة الأحادية، بما يؤكّد دور إيران المحوري كقطب إقليمي لا غنى عنه. ورغم إدراك بكين لتأثير الحرب على سلاسل الإمداد، إلا أنها تعي أنّ الخاسر الأكبر هو أميركا وحلفاؤها؛ لذا قد تنظر لهذه الحرب كفرصة لإضعاف واشنطن عبر تعزيز صمود طهران، مع موازنة دقيقة بين مكاسب الاستنزاف وتأثيراته الاقتصادية، الأمر الذي قد يحمل بكين وموسكو على ابتدار مشروع تسوية لوقف الحرب، بما يخدم فكرة بناء نظام دولي جديد يقوم على التعدّد، ويقرّ بموازين القوى الناشئة.

سؤال القدرة لا سؤال القوة

من تداخل هذه الجبهات الأربع، يتشكّل المشهد الحقيقي لهذه الحرب. ففي واشنطن المثقلة بالديون، يتصاعد الانقسام السياسي حول صلاحيات الحرب، وفي “إسرائيل” تتراكم التكاليف الاقتصادية الباهظة، وتتضاعف الآثار النفسية للحرب، وفي الخليج تبرز معضلة الأمن الغذائي كورقة ضغط صامتة، ويتعالى صوت رافض لحرب واشنطن و”تل أبيب” في فضائه وخصماً من أمنه وموارده، وفي إيران تتبدّى قدرة مؤسساتية ومجتمعية على امتصاص الصدمة والبقاء في الحلقة الأطول رغم وجود تحدّيات داخلية (معيشية وسياسية وأمنية ترتبط بجماعات يمكن توظيفها ضدّ الدولة).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى