حزب الله والعودة إلى نموذج المقاومة الأول

بقلم: العميد محمد الحسيني..
يكشف تطوّر نمط الضربات الجوية التي ينفذها العدو الإسرائيلي في لبنان عن مأزق استخباراتي متزايد في التعامل مع البُنية العسكرية لحزب الله.
ففي المراحل الأولى من التصعيد، ركزت الاعتداءات الإسرائيلية على ما وصفته باستهداف قادة ميدانيين وكوادر قيادية في الحزب، في محاولة لضرب الهيكل التنظيمي وإرباك منظومة القيادة والسيطرة على غرار الحرب الأخيرة. غير أن تكرار الغارات من دون تحقيق أثر استراتيجي حاسم يوحي بأن بنك الأهداف المرتبط بالبنية القيادية للحزب أصبح أكثر ضيقًا وصعوبة في الاختراق، وأن قدرة الاستخبارات الإسرائيلية على إنتاج أهداف دقيقة لم تعد كما كانت تتصور.
ويعكس هذا الواقع التحول العميق الذي طرأ على بنية المقاومة بعد حرب 2024، حيث تخلّت عن النموذج التنظيمي التقليدي الذي راكمته سنوات الحرب السورية. حينها اكتسب الحزب طابع قوة شبه عسكرية نظامية تعتمد على تشكيلات أكبر وانتشار أكثر وضوحًا نتيجة طبيعة العمليات العسكرية في تلك الحرب، إلا أن في عودته الثانية اليوم إلى ساحة الجنوب، ومن بعد الدروس المستقاة من حرب أيلول 2024، استعاد انطلاقته الأولى كمقاومة، لا كحزب أنهكته التدخلات في الحروب الإقليمية وانخراطه في الصراعات السياسية الداخلية، فبنى استراتيجيته القديمة الجديدة على قوة قتالية أقل قابلية للرصد المباشر، وأكثر قدرة ومرونة على المناورة والتكيف.
وفي بيئة مثل جنوب لبنان، حيث تتداخل القرى والبنية الاجتماعية مع المجال الجغرافي، تتحول البيئة المحلية نفسها إلى عنصر من عناصر الحماية والدعم. فالمجتمع الذي عاش عقودًا من الصراع مع إسرائيل اكتسب خبرة عميقة في التعامل مع الواقع الأمني والعسكري، وبات يشكل جزءًا من منظومة الإنذار المبكر التي تسمح للمقاومة برصد التحركات المعادية والتعامل معها بسرعة وفعالية.
وتستفيد المقاومة بهذه الاستراتيجية من الطبيعة الجغرافية للجنوب اللبناني لتحويل أي تقدم عسكري إلى عملية معقدة ومكلفة، حيث تتحول التلال والقرى والطرق الضيقة إلى عناصر ضمن منظومة الدفاع. ومع تراجع فعالية الاستهداف المباشر للقيادات أو البنى التنظيمية للحزب، اتجهت الضربات الإسرائيلية تدريجيًا إلى توسيع نطاق بنك الأهداف، فشملت عناصر أو مواقع مرتبطة بتنظيمات أخرى مثل حركة حماس والجماعة الإسلامية داخل الساحة اللبنانية، كما امتدت إلى استهداف البنى التحتية لمناطق ذات رمزية سياسية وأمنية مثل الضاحية الجنوبية لبيروت. ويشير هذا التحول إلى أن العدو يحاول تعويض محدودية بنك الأهداف المرتبط بالبنية العسكرية للمقاومة عبر توسيع دائرة الضغط العسكري، إلا أن هذه المقاربة تعكس في الوقت نفسه، صعوبة تحقيق اختراق حقيقي في البنية التنظيمية للحزب.
وفي قلب هذه العقيدة، يبرز مفهوم الانتشار الصامت، الذي يقوم بالحفاظ على قدرة قتالية كامنة داخل منطقة تبدو ظاهريًا هادئة وخالية من الوجود العسكري وحتى المدني، بحيث تبدو المنطقة طبيعية أمام المراقبة سواء من قبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أو الجيش اللبناني.
وما أثار دهشة العدو قدرة المقاومة على خرق القيود القانونية والأمنية في جنوب الليطاني وصولًا إلى الحدود، بعد أن أوجدت مساحة استعملتها للتحرك بشكل غير مرئي، دون أن تتحول إلى هدف مباشر، على الرغم من الانتشار الأمني والعسكري للجيش اللبناني والأمم المتحدة، والأدهى أنها تحت المراقبة والسيطرة الجوية المطلقة للعدو الإسرائيلي.
وفي الوقت نفسه الذي سعى فيه إعلام الاحتلال إلى التخفيف من وقع هذه الإخفاقات على الرأي العام الداخلي، من خلال تسليط الضوء على عمليات استهداف محدودة للقادة أو تصوير المواجهات على أنها “نجاحات تكتيكية” رغم محدوديتها، وهو ما يعكس صعوبة الترويج لإنجازات استراتيجية حقيقية أمام الضغوط الميدانية المتزايدة.
من هنا، جاءت عملية الإنزال لوحدات الكوماندوس الإسرائيلية في البقاع، وتحديدًا في بلدة “النبي شيت”، في سياق البحث لاستعادة رفات الطيار الإسرائيلي “رون آراد”، الذي أسقطت طائرته في العام 1986، لتتزامن مع سلسلة متكررة من الإخفاقات الاستراتيجية للقيادة الإسرائيلية في تحقيق أي نجاح ملموس في حربها على لبنان يمكن أن تقدمه للرأي العام الإسرائيلي.
بهذه الطريقة يمكن فهم عودة حزب الله إلى جنوب نهر الليطاني وأسلوب عمله المقاوم، رغم الاعتقاد بأن المنطقة قد أصبحت خالية من وجوده العسكري. فالمسألة لا تتعلق بخدعة تكتيكية، بل ببنية تنظيمية واستراتيجية متكاملة استطاعت إخفاء القوة بدل استعراضها، والحفاظ على القدرة القتالية حتى في أكثر البيئات خضوعًا للمراقبة. وفي هذا السياق تحولت القدرة على الصمود والتكيف إلى عنصر مركزي في معادلة الصراع.
حيث أثبتت المقاومة مرة أخرى، أن القوة لا تُقاس فقط بحجم العتاد أو التكنولوجيا، بل أيضًا بقدرة التنظيم على الابتكار والعمل في ظروف معقدة، وبالقدرة على تحويل الأرض والبنى التحتية إلى جزء من منظومة الدفاع. وبهذا المعنى تصبح المواجهة بين جيش الاحتلال والمقاومة أكثر من مجرد حرب عسكرية تقليدية؛ إنها صراع طويل بين مشروع سيطرة وهيمنة يسعى إلى فرض تفوقه بالقوة، وشعب اختار أن يجعل من المقاومة وسيلته للدفاع عن أرضه وسيادته.



