معركة الإرادة في جنيف.. من يجفل أولاً؟

بقلم: السيد شبل..
تتجه أنظار العالم نحو مدينة جنيف السويسرية، التي تستعد لاستضافة جولة حاسمة من المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، بوساطة من سلطنة عمان، التي استضافت جولة المفاوضات الأولى في السادس من الشهر الجاري. هذا الحراك الدبلوماسي، الذي يقوده من الجانب الأمريكي فريق مقرب من الرئيس دونالد ترامب يضم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، لا يمثل مجرد جولة تفاوضية تقليدية، بل هو اختبار حقيقي لعقيدة دونالد ترامب السياسية التي تقوم على مبدأ “الترهيب لا التورط”، إذ يظن الرئيس الأميركي أن بإمكانه التوصّل إلى النتائج التي يريدها عبر طاولة المفاوضات معتمداً على حشوده العسكرية الضخمة، ولغته المتعالية التي تطلق التهديدات بكل اتجاه.
إلا أن المشهد المقابل في طهران يكشف عن معطيات مختلفة؛ فقد أظهرت القيادة الإيرانية، حتى اللحظة، هدوءاً استراتيجياً وقدرة لافتة على الصمود النفسي والسياسي. وبدلاً من التراجع أمام نموذج “الرئيس المغرور”، تبنّت إيران أسلوباً يمزج بين الذكاء الدبلوماسي والصبر الطويل، مدعوماً بإجراءات ميدانية تؤكد قدرتها على التحدي والردع إذا لزم الأمر. إنها معركة إرادات معقدة، يراهن فيها ترامب على قدرات بلاده العسكرية الفائقة، إضافة إلى تحكمه في الاقتصاد العالمي، بينما تراهن إيران على “تآكل الضغط” بمرور الوقت، والقدرة على تحويل التهديدات إلى فرص لانتزاع اعتراف دولي بمكانتها وقوة أوراقها التفاوضية.
عقيدة ترامب.. النباح المتواصل لتجنب الاشتباك
تعتمد استراتيجية ترامب الحالية تجاه خصومه على ما يُعرف في العلوم السياسية بـ “نظرية الرجل المجنون” (Madman Theory) إذ يتعمّد الرئيس الأميركي إظهار عدوانية مفرطة، مستخدماً لغة خشنة وغير مألوفة في الدبلوماسية الدولية؛ فعندما يتوعد إيران بـ”يوم سيئ للغاية” في حال فشل المفاوضات، ويقرن ذلك بتحركات عسكرية ضخمة كإرسال حاملة الطائرات “جيرالد فورد” لتكون الحاملة الثانية بعد “إبراهام لينكولن” فإنه يهدف إلى خلق حالة من الرعب النفسي والإرباك لدى الداخل الإيراني.
المثال الفنزويلي مجدداً
من الواضح أن ترامب يسعى لنقل “كتالوج فنزويلا” إلى منطقة الشرق الأوسط، وذلك من خلال فرض حصار اقتصادي خانق على إيران يهدف إلى تجفيف منابع الدخل وتصفير صادرات النفط، مراهناً على أن الضغط المعيشي سيجبر النظام على التفكك أو على الأقل التراجع. إلا أن هذا الرهان يصطدم بحقائق جيوسياسية تجعل إيران مختلفة؛ فإيران تمتلك قدرة هائلة على توحيد الصفوف في الداخل، إضافة إلى القدرة على الرد الإقليمي وإشعال جبهات متعددة في لبنان واليمن والعراق وسوريا، وكذلك تهديد الملاحة الدولية في مضيق هرمز، وهي عوامل لم تكن متوفرة للنظام الفنزويلي.
يمكن أيضاً التذكير بأن إيران وصلت بالفعل إلى “عتبة نووية” متقدمة ما يجعل من “لعبة الوقت” مخاطرة كبرى، فبينما كان عامل الوقت في فنزويلا أداة للاستنزاف، فإنه في الملف الإيراني يعني استمرار دوران أجهزة الطرد المركزي وزيادة المخزونات، ما يقرب طهران من “نقطة اللاعودة”.
رهان الوقت وجولة جنيف
في جولة جنيف المرتقبة، يبدو أن كل طرف يقرأ عقارب الساعة بمنطق استراتيجي مغاير؛ فبينما يراهن ترامب على أن الأزمات الداخلية المتفاقمة بفعل العقوبات الاقتصادية المشددة ودعم “قوى المعارضة” ستدفع المفاوض الإيراني نحو تقديم تنازلات جوهرية ومؤلمة تطال برنامج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، نجد في المقابل رؤية إيرانية مغايرة تماماً، إذ يدرك المسؤولون في طهران أن واشنطن تفتقر إلى القدرة على شن ضربة عسكرية موسعة وشاملة، ولا سيما بعد نجاحهم في تحصين الجبهة الداخلية وإجهاض “سيناريو الفوضى” الذي كان مُعداً لإرباك النظام، وبالنظر أيضاً إلى امتلاكهم قوة ردع عسكرية قادرة على الرد المؤثر. ومن هذا المنطلق، ترى طهران أن واشنطن تجد نفسها مضطرة لخيار التفاوض كمسار وحيد، وهنا ستبرز براعة الفريق المفاوض الإيراني في انتزاع النتائج المرجوة، مقابل تقديم ترضيات محدودة ومدروسة للخصوم فيما يخص الملف النووي.
صراع العقل والإرادة
لا شك في أن المشهد الحالي مربك وشديد التعقيد، إذ تُستخدم فيه “العدوانية الخطابية” كبديل استراتيجي عن المواجهة المباشرة. وسيعتمد نجاح جولة جنيف المرتقبة من وجهة نظر الإدارة الأميركية على قدرة مفاوضيها على ممارسة لعبة مزدوجة، تهدف من جهة إلى إقناع طهران بأن “الجنون” المفترض لترامب ليس مجرد استعراض، بل قد يتحول في أي لحظة إلى فعل حقيقي، ومن جهة أخرى إقناع “تل أبيب” بأن الصفقة السياسية هي الضمانة الوحيدة والممكنة للتعامل مع النظام الإيراني.
إلا أن تلك الحقيقة لا تمنع من الاعتراف بأن العالم بأكمله واقف على حافة الهاوية، حيث يحاول ترامب انتزاع تنازلات تأريخية عبر “الترهيب”، بينما تترقب كل الأطراف الأخرى ما إذا كانت هذه التهديدات ستقود فعلاً إلى اتفاق مُرضٍ، أم أنها ستفتح الباب أمام مواجهة تخرج عن السيطرة وتطيح بكل حسابات التهدئة.



