ذكرى القادة الشهداء.. حين يُصنع الغد من رحم الوعي

بقلم: جهاد حيدر ..
لا تختصر ذكرى القادة الشهداء باستعادة الأسماء أو استحضار الصور، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق: كيف تُبنى الإرادة حين يبدو الواقع مغلقًا؟ في مراحل كان التفوق العسكري للعدو فيها ساحقًا، وكانت قناعة “لا جدوى من المقاومة” راسخة في أذهان كثيرين، لم يبدأ التحوّل من السلاح، بل من تبدّل في النظرة إلى الذات وإلى الممكن.
في تلك اللحظة التأريخية، لعب الشيخ راغب حرب دورًا محوريًا، ليس فقط كقائد في هيكلية المقاومة الإسلامية، بل كصوت أعاد للناس ثقتهم بأنفسهم. الفكرة الأساسية لم تكن عسكرية بقدر ما كانت معنوية: الاحتلال ليس قدرًا أبديًا، بل حالة يمكن مواجهتها. هذا التحول الذهني غيّر المعادلة. فعندما يسقط اليقين بأن “لا بديل”، يبدأ الناس بالبحث عن بدائل، وعندما يتحول الخوف إلى وعي، تولد إرادة مختلفة.
لم يُحسم الصراع دفعة واحدة، لكن التغيير بدأ من الداخل. السدّ النفسي الذي كان يحول دون التفكير بالمقاومة تصدّع أولًا، قبل أن تتغيّر موازين القوى تدريجيًا على الأرض. وحين حاول العدو إعادة فرض الانكسار عبر استهداف القيادات، جاءت النتائج معاكسة لما أراد.
اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد عباس الموسوي لم يوقف المسار، بل أظهر قدرة التنظيم على تجديد قيادته واستمرار مشروعه. واغتيال القائد الجهادي عماد مغنية لم يُنهِ مسار الردع، بل أكد أن المؤسسة التي تقوم على وعي جماعي لا تسقط بغياب فرد، مهما كان موقعه. هنا برزت مفارقة واضحة: الضربة التي يُراد بها كسر الإرادة قد تتحول، إذا كانت القاعدة صلبة، إلى لحظة تعزيز لها.
الإرادة في هذا السياق لم تكن مجرد اندفاع عاطفي، بل نتيجة فهم لطبيعة الصراع وطول مداه. الصدمة لم تُقرأ كهزيمة، بل كجزء من مسار مفتوح. هذا الفهم هو ما منح التجربة قدرة على الاستمرار رغم الخسائر.
ومن هذا التراكم بين الوعي والإرادة، تشكلت معادلة الردع. لم تعتمد فقط على تراكم السلاح، بل على ترسيخ قناعة لدى الخصم بأن أي اعتداء ستكون له كلفة مؤكدة. الردع يبدأ في الحسابات قبل أن يبدأ في الميدان. حين يقتنع الطرف الآخر بأن الخطوط الحُمر جدية، يجد نفسه أمام خيارين إما خوض المغامرة أو تغيير قراراته. لذلك لم يكن تحرير الجنوب عام 2000 مجرد انسحاب عسكري، بل كان سقوطًا لما عمد العدو طوال عقود الترويج له بأن “إسرائيل” لا تنسحب من أراض محتلة تحت ضغط المقاومة، وإذا ما حصل سيكون مقابل أثمان سياسية وأمنية تحقق لها أكثر مما تخلت عنه.
غير أن هذا المسار لم يكن ليصمد من دون بيئة حاضنة. فالمقاومة لم تقم على المقاتلين وحدهم، بل على مجتمع رأى في الاحتلال ظلمًا، وفي التحرير حقًا، وفي التضحية ثمنًا للتحرير والاستقلال. هذا التماسك الاجتماعي منحها قدرة على مواجهة الضغوط والحملات النفسية، وأبقى المعنى حاضرًا رغم التحديات.
اليوم، ومع تسارع تدفق المعلومات وإمكانية إنتاج سرديات مغايرة للواقع وتسويقها على أنها “حقائق بديلة”، يصبح الحفاظ على هذا الوعي تحديًا بحد ذاته. فالإرادة لا تعيش في الفراغ، وإذا لم يشعر المواطن بأن أمنه واستقراره ومستقبله جزءٌ من أي معادلة دفاعية، تتراجع الثقة تدريجيًا. لذلك يبقى التحدي في تحويل القوة إلى رافعة للاستقرار والبناء، لا إلى حالة قائمة بذاتها.
الذاكرة هنا ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل أداة لحماية التوازن بين الثقة والمسؤولية. استحضار تجربة التسعينيات، حين كانت المقاومة توصف بأنها “فصيل محدود”، لا يهدف إلى المباهاة، بل إلى التذكير بأن ما بدا مستحيلًا أصبح واقعًا بفعل تراكم طويل من العمل والإرادة. وفي المقابل، فإن أي إنجاز لا يصبح دائمًا إلا إذا حُصّن بالوعي الدائم.
في النهاية، تذكّرنا ذكرى القادة الشهداء بأن المعركة تُحسم أولًا في الوعي. حين يؤمن الناس بأن التغيير ممكن، تبدأ خطواته الأولى. الوعي يولد الإرادة، والإرادة تدفع إلى الفعل، والفعل يغيّر الوقائع. قد تختلف التقديرات السياسية، لكن الدرس الأوسع يبقى أن التحولات الكبرى لا تبدأ من الخارج، بل من اقتناع داخلي بأن الواقع ليس قدرًا نهائيًا.
هكذا تتحول الذكرى من استعادة للماضي إلى مسؤولية تجاه الحاضر: أن يبقى الوعي يقظًا، وأن تبقى الإرادة مرتبطة بحياة الناس وأمنهم ومستقبلهم. عندها فقط يصبح استحضار الأسماء أكثر من وفاء، ويغدو استحضار التجربة طريقًا لصناعة الغد.



