اراء

الفقرة التي حذفها رئيس الموساد عن إبستين

بقلم: عواد الجعفري..

طالما قرأتُ كتب السِّيَرِ الذاتية بشكوك كبيرة، فالكل فيها مثالي ولا يقدمون أنفسهم إلا في صورة الأبطال، ونادراً ما ينتقدون أنفسهم، وكثيرون منهم لم يتحلوا بالصدق (لأن مصادر أخرى تناقض كلامهم)، فكيف يكون الأمر مع رجل مخابرات كل حياته أسرار وأعمال دموية؟

أتحدث هنا عن إفرايم هاليفي رئيس جهاز المخابرات الخارجية الإسرائيلي (الموساد) بين عامي 1998 و2002، وهي فترة حافلة بالأحداث والأسماء التي وردت في وثائق إبستين (بالمناسبة ظهر اسمه بشكل عابر في الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية)، والأهم أنه أي هاليفي كان عضواً في الجهاز لنحو 3 عقود، بمعنى أنه كان شاهداً على كثير من عمليات الجهاز، وفي عالم المخابرات، العملية قد تستغرق سنوات من العمل وليس بين ليلة وضحاها وهذا ما ينطبق حرفياً على إبستين.

أصدر هاليفي كتاباً عن سيرته الذاتية عام 2006 بعنوان “Man in the Shadows”، وصدرت الطبعة العربية في العام التالي بعنوان “رجل في الظلال.. داخل أزمة الشرق الأوسط مع رجل قاد جهاز الموساد”، والكتاب موجود في الدول العربية وعلى الإنترنت.

لم يأت هاليفي من أول الكتاب إلى آخره على أساليب تجنيد الجواسيس، وهو ما فعله بقية قادة الموساد والشاباك في كتبهم أيضاً، رغم أن أي شخص ذي معرفة محدودة يدرك أن التجنيد يتم بطرق منها “التوريط” أو “الإسقاط”، وقد وثقت كتب كثيرة لتلك الأساليب، ونتذكر هنا الكتاب الشهير “الضحية تعترف” الذي سعى لتوعية المجتمع الفلسطيني بحيل المخابرات الإسرائيلية وخاصة الابتزاز الجنسي.

يزعم هاليفي في كتابه أنه صاحب فكرة إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين من السجون الإسرائيلية عام 1997، مقابل الإفراج عن عناصر الموساد الذين قبض عليهم الأمن الأردني بعد فشلهم في اغتيال خالد مشعل، الذي كان حينها رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، باعتباره مخرجاً للمأزق الذي سببته المحاولة الفاشلة.

يقول هاليفي في كتابه إن إسرائيل (والمقصود هنا المخابرات) تهتم بكل تطور يحدث في الشرق الأوسط، مهما كان صغيراً، وفي هذه الجزئية هو محق تماماً،  فعلى سبيل المثال لا الحصر، تتابع مخابراتهم صفحات التعازي والتهاني وحتى الكلمات المتقاطعة في الصحف الفلسطينية، بكلمات أخرى: يتابعون أدق التفاصيل التي لا تظن أنها مهمة.

إذن، ما داموا يهتمون بتفاصيل بالغة الصغر كهذه، فكيف لا تمر عليهم قصة بالغة الضخامة مثل إبستين؟ هذا بفرض أنه ليس عميلاً لهم. رجل يملك جزيرة وشبكة علاقات هائلة من أصحاب النفوذ والتأثير الذين يزورون تلك الجزيرة، حيث يوفر لهم إبستين “المتعة المحرمة” التي هي عبارة عن جرائم يندى لها الجبين وفق كل الأديان وكل القوانين.

هل من المعقول أنه لم تظهر على رادار الموساد أي علامة؟ سجل الاتصالات والمكالمات المعترضة، رحلات الطيران المتكررة إلى جزيرة نائية على مدار سنوات، وعلى متنها شخصيات نافذة ليست بالآحاد بل بالعشرات وربما بالمئات. أطفال وقاصرون يُقتادون بانتظام إلى تلك الجزيرة، وكذلك وجود رئيس وزراء إسرائيلي سابق في الجزيرة، وهو إيهود باراك، الذي يعرف أشياء كثيرة منها الأسرار النووية الإسرائيلية، وهو من المؤكد أنه تحت الحماية (أو تحت الرقابة لا فرق)، فمن المعروف أن هذه الشخصيات تكون تحت العين قبل أن يتحول الأمر إلى التجسس اللصيق والدائم في حال وجود مؤشرات مريبة.  وعلينا ألا ننسى أن إسرائيل تطبق القاعدة الشهيرة في كتاب “فن الحرب”، وهي: ليس هناك مكان يستثنى من التجسس.

جزيرة إبستين، تبدو كأنها أكبر عملية نفذها الموساد في تأريخه على صعيد إخضاع وتجنيد النخب، لا بغية الحصول على المعلومات، بل من أجل تحقيق مآرب أخرى، لكن ما يثير الأمر هو أنه لا يتم الحديث في الغرب عن قصة ارتباط إبستين بالموساد، مما دفع الإعلامي الأمريكي الشهير، تاكر كارلسون، إلى التساؤل: “لماذا كان يفعل ذلك (يقصد إبستين)؟ ولمصلحة مَن يفعل ذلك؟ ومن أين أتت الأموال؟ والإجابة الحقيقية هي أن جيفري إبستين كان يعمل لصالح أجهزة استخبارات، وربما ليست أمريكية، ومن الواضح أن له صلات مباشرة بحكومات أجنبية، ولا يُسمح لأحد أن يقول إن تلك الحكومة الأجنبية هي إسرائيل”.

يقول هاليفي إن قصة المجاهدين العرب في أفغانستان التي استمرت 10 سنوات تقريباً، كانت أكبر عملية نفذتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في تأريخها (هناك شواهد أخرى تؤكد هذا الطرح)، ولم ينس أن يشير إلى أن الموساد كان هناك، ويبدو أن الفقرة التي حذفها أو رفض كشفها هاليفي في كتابه هي “أيها القراء لن أقول لكم إننا ننفذ حالياً أكبر عملية توريط، يتولاها شخص اسمه إبستين ومهمتها إخضاع نخب العالم، أو على الأقل نحن على علم بها وأنتم، سيستغرق منكم الأمر 20 عاماً لتعرفوا عنها شيئاً”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى