في فلسطين.. الوجود والصمود مقاومة

بقلم: وليد القططي..
من الدروس المُستخلصة نتيجة الصراع الشرس والمتواصل مع الكيان الصهيوني ولا سيما في حرب الإبادة الأخيرة أنّ المقاومة منظومة مُتكاملة من ثلاث ركائز؛ هي: الوجود والصمود والمقاومة.
فالفلسطيني كفرد وكشعب بوجوده مُتمسّكاً بوطنه، وبصموده مُتحدّياً عدوَّهُ، وبمقاومته لانتزاع حريته يُجسّد تلك المنظومة المقاومة بمجرّد وجوده في فلسطين وصموده مُتمسّكاً بحقوقه وصولاً إلى ممارسة المقاومة بمفهومها الشامل كذروة لهذه المنظومة التي يقابلها الكيان الصهيوني بمنظومة نقيضة ركائزها: النفي واليأس والاستسلام.
نفي وجود الشعب الفلسطيني كجماعة وطنية كان واضحاً في الرواية الصهيونية المُلخّصة في شعار (فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، الشعار الذي حاولت الحركة الصهيونية بواسطة منظماتها المُسلّحة تحويله إلى حقيقة من خلال الهدف الذي وضعته لنفسها في حرب النكبة عام 1948، وهو السيطرة على أكبر مساحة مُمكنة من أرض فلسطين مع أقلّ عدد مُمكن من السكان، فأبادت الآلاف وهجّرت مئات الآلاف، فكان نفي الوجود الفلسطيني بالإبادة والتهجير استراتيجية ثابتة للحركة الصهيونية منذ أن كانت مشروعاً ثم دولة وحتى حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
إذا كان نفي وجود الشعب الفلسطيني في فلسطين هو هدف الحركة الصهيونية الأول؛ فإنّ وجود الشعب الفلسطيني في فلسطين ينبغي أن يكون هدف الحركة الوطنية الفلسطينية الأول، وهذا يتطلّب العمل على تثبيت وجود الشعب الفلسطيني داخل وطنه فلسطين، وجعل من هم خارجها يواصل الارتباط بها متشبّثاً بالعودة إليها.
والوجود الفلسطيني كشعب يُشكّل جماعة وطنية واحدة مُتجاوزة للحواجز الجغرافية والحزبية والسياسية، وهذا يتمّ بتعزيز الروابط المشتركة الموحّدة، وأهمها: الجذور التأريخية، والتراث الثقافي، والهوية الوطنية، والقضية الوطنية، والمصير المشترك… إضافةً إلى ضرورة وجود برنامج وطني لتوفير مقوّمات الحياة الأساسية في فلسطين للأجيال المُتتابعة لتعيش في وطنها.
وجود الشعب الفلسطيني ولا سيما داخل فلسطين كجماعة وطنية واحدة، هو الضمان لبقاء القضية الفلسطينية حيّة بمضمونها الوطني والسياسي والإنساني، وهو الأساس الذي يُبنى عليه المشروع الوطني الفلسطيني بأهدافه الثلاثة: التحرير والعودة والاستقلال، وهو القطار الذي يوصلنا إلى محطة الصمود الوطني.
الوصول إلى محطة الصمود الوطني الفلسطيني كمحطة وسط بين الوجود والمقاومة يعترضها حاجز اليأس من النصر، الذي كان ولا يزال هدف الحركة الصهيونية كمشروع وكدولة بعد نفي وجود الشعب الفلسطيني رواية وممارسة، فاليأس أو التيئيس يستهدف الوجود المعنوي للشعب الفلسطيني ويُفرغه من مضمونه الوطني الضامن لصموده وتحدّيه وتمسّكه بأرضه وحقوقه.
ولتحقيق هذا الهدف الصهيوني عمد الاحتلال على تسلل اليأس من النصر لتحقيق الهزيمة النفسية، وتشرّب الرواية الصهيونية للصراع لتحقيق الهزيمة الفكرية، وترويج الثقافة الانتهازية لتحقيق القابلية للاستعمار والتعايش مع الاحتلال.. وصولاً إلى محاولة تحويل الشعب الفلسطيني إلى كتل بشرية مُنعزلة وسلبية وعاجزة، ليوزّعه بين عمالة يدوية تخدم الاستيطان العبري، وعمالة استخبارية تخدم الأمن الإسرائيلي.
الصمود الوطني الفلسطيني يعني تجاوز حاجز اليأس من النصر والإحباط من الواقع ومواصلة السير على درب المشروع الوطني الفلسطيني، وهذا يتحقّق بأن توفّر الحركة الوطنية الفلسطينية مقوّمات الصمود المعنوية التي يسعى العدو لتدميرها.
وأهمها: زرع الأمل في النصر لتحقيق الصلابة النفسية، وتشرّب الرواية الفلسطينية للصراع لتحقيق المناعة الفكرية، وترويج الثقافة الوطنية لتحقيق رفض الاستعمار والاحتلال.. وصولاً إلى الحفاظ على وجود وصمود الشعب الفلسطيني كجماعة وطنية موحّدة وإيجابية وفاعلة في مشروع التحرير والعودة والاستقلال.
رفض الاحتلال هو المُحصّلة الطبيعية لركيزتي الوجود والصمود، وترجمة رفض الاحتلال العملية هي مقاومة الاحتلال بمفهومها الشامل والمتنوّع، والمقاومة الفلسطينية موجودة بهذا المفهوم والممارسة منذ بداية الصراع مع الصهيونية فكرةً ومشروعاً وحركةً ودولة وقاعدة متقدّمة للاستعمار الغربي.
وحتى حرب الإبادة الإسرائيلية – الأمريكية الحالية، والهدف الصهيوني المقابل هو: هزيمة المقاومة، وفرض الاستسلام عليها، وإنهاء وجودها. وهذا الهدف الصهيوني ظلّ طوال مراحل الصراع مجرّد وهم في عقول قادة الكيان الصهيوني.
هدف هزيمة المقاومة واستسلامها وإنهائها كعنوان للشعب والأمّة بعد هدفي النفي واليأس للحركة الصهيونية المشروع والدولة، يُقابله هدف بقاء المقاومة واستمرارها حتى النصر للحركة الوطنية الفلسطينية بتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني التحرّري.
فالمقاومة كفكرة وعمل بمفهومها الشامل المتنوّع مُحصّلة طبيعية لركيزتي الوجود والصمود، ومن دونهما لا توجد مقاومة، ولذلك ينبغي على المقاومة أن تحرص على وجودهما لضمان استمراريتها، فتحذّر من المغامرة بهما فتُهدّد وجود الشعب على أرض وطنه، أو تُضعف صموده في وطنه.
الخلاصة أنّ الوجود والصمود والمقاومة منظومة واحدة، وركائز ثُلاثيّة لمشروع التحرير، وتسير بالتوازي بالأهمية نفسها، وتسير بالتوالي فالوجود أساس الصمود وكلاهما -الوجود والصمود- أساس المقاومة، وبهذا الفهم المبني على الواقع والمنطق يُمكن القول: في فلسطين.. الوجود والصمود مقاومة.



