قراءة في العقيدة الأمنية التركية الجديدة (2026)

بقلم: ليلى نقولا..
تشكّل مخرجات الاجتماع الأول لمجلس الأمن القومي التركي لعام 2026، والبيان الختامي الصادر عنه، لحظة مفصلية في مسار السياسة الخارجية والأمنية لأنقرة.
يبدو من هذه المخرجات أنّ الاتراك قاموا بتحديث تصوّرات التهديد بما يؤدّي إلى “إعادة هندسة” شاملة لمفهوم الأمن القومي التركي.
يمكن تفكيك هذه التحوّلات الاستراتيجية وفق المحاور الآتية:
أولاً: الانتقال من “الأمن الإجرائي” إلى “الأمن الوجودي الشامل“
لعلّ أبرز ما يميّز الوثيقة الصادرة عن المجلس هو الارتقاء بمفهوم “تركيا بلا إرهاب” من مجرّد شعار عملياتي ميداني إلى “مشروع دولة” متكامل (أعطته الوثيقة الأولوية).
في النظريات الأمنية، يعكس هذا التحوّل دمجاً بين مستويات الأمن الثلاثة: الأمن الصلب (العسكري)، والأمن المجتمعي (الاستقرار الداخلي)، والأمن التنموي (الازدهار الاقتصادي).
تتبنّى المقاربة التركية الجديدة مبدأ “الأمن العابر للحدود”، أو ما يُعرف بـ “الدفاع المتقدّم”، حيث يسعى الأتراك الى حماية أمنهم القومي بعيداً عن حدودهم الجغرافية. هذا يفسّر الربط العضوي، في الوثيقة، بين الأمن الوطني والانخراط النشط في دوائر النفوذ الثلاث: الآسيوية، والأوروبية، والأفريقية.
ثانياً: ثنائية الردع والدبلوماسية
تُظهر المخرجات تبنّياً واضحاً لاستراتيجية تجمع بين النقيضين الظاهريَّينِ: “الحسم العسكري” و”المبادرة السياسية”. أكاديمياً، يندرج هذا تحت مفهوم “الدبلوماسية القسرية” أو الردع الفعّال. ففي الوقت الذي تؤكّد فيه تركيا استمرارية العمليات الاستباقية ضدّ التنظيمات التي تصنّفها إرهابية فإنها تربط هذه القوة الخشنة بهدف سياسي وهو “الاستقرار“.
تؤسّس هذه العقيدة لشرعيّة التدخّل الخارجي التركي عبر تبريرها ليس كطموح توسّعي، بل كضرورة وقائية لحفظ الأمن القومي.
ثالثاً: في الملفات الإقليمية
عند تحليل المواقف تجاه الملفات الإقليمية، نجد ما يلي:
أولاً: الملف السوري
إنّ التركيز على “وحدة الأراضي السورية” ورفض “الخرائط التقسيمية” يعكس هاجساً وجودياً لتركيا. فأنقرة تدرك أنّ أيّ كيان انفصالي على حدودها الجنوبية ليس مجرّد تهديد أمني، بل هو “قنبلة موقوتة” تهدّد الديموغرافيا والجغرافيا التركية نفسها.
ثانياً: غزة
في ملف غزة، تسعى تركيا لترسيخ صورتها كـ”قوة معيارية”؛ عبر التشديد على “إعادة الإعمار” والشراكة في الآليات الدولية ما يهدف إلى حجز مقعد لتركيا في ترتيبات “اليوم التالي”، مما يمنحها نفوذاً في شرق المتوسط عبر البوابة الإنسانية والسياسية، وليس العسكرية فحسب.
ثالثاً: إيران (ترابط الأمن الإقليمي):
تشدّد النظرة التركية على الاستقرار الداخلي الإيراني كركيزة للأمن الإقليمي، وهذا يعكس وعياً عميقاً بضرورة الحفاظ على “توازن القوى” في الشرق الأوسط.
كذلك، ورغم التنافس التأريخي مع إيران، تدرك تركيا أنّ الفوضى في طهران ستخلق فراغاً جيوسياسياً قد تملأه قوى دولية أو حركات انفصالية، مما سيؤدّي حتماً إلى “تأثير الدومينو” الذي سيضرب الداخل التركي خاصة إذا حصل الأكراد في إيران على منطقة لإقامة دولة.
رابعاً: القرن الأفريقي
تؤكّد الوثيقة الالتزام تجاه الصومال وهذا يعني أنّ تركيا لم تعد تكتفي بمحيطها المباشر، بل تبني تحالفات في ممرات التجارة الدولية والبحر الأحمر، مما يعزّز أوراق قوتها في النظام الإقليمي والدولي.
وهكذا، من قراءة الوثيقة الأمنية، يمكننا استخلاص التحوّلات الآتية في الدور الوظيفي لتركيا في عام 2026:
1– تسعى تركيا إلى تسويق صورة “الدولة صانعة الاستقرار” حيث تنتقل من صورة “الطرف في النزاع” إلى صورة “الضامن للاستقرار”. هي تقدّم نفسها كقوة لا غنى عنها لحلّ الأزمات، سواء في أوكرانيا أو غزة أو الصومال.
2-إعادة رسم خريطة المصالح:
يُلاحظ تراجع نسبي في حدّة الخطاب تجاه ملفات تقليدية (مثل شرق المتوسط والقوقاز) لصالح ملفات ذات طابع إنساني – استراتيجي (غزة وأفريقيا). هذا يشير إلى أنّ أنقرة تشعر بتحقيق الاستقرار النسبي في الملفات الأولى، وبدأت توجّه فائض قوتها نحو ساحات جديدة لتعظيم النفوذ.
3-البراغماتية الأمنية:
الخيط الناظم لكلّ هذه التوجّهات هو “البراغماتية”. تركيا 2026 لا تتحرّك بدوافع أيديولوجية إسلامية صرفة كما كانت خلال فترة ما يسمى “الربيع العربي”، بل بمحدّدات أمن قومي صارمة تهدف إلى منع انتقال الأزمات إلى الداخل، وتوظيف التناقضات الدولية لخدمة السيادة الوطنية.



