التأهل لا يُصنع بالضجيج

بقلم/ سمير السعد..
في المشهد الكروي العراقي، يبدو كل شيء قابلاً للتبرير، السفر يصبح إنجازاً، والظهور الإعلامي يُقدَّم بوصفه عملاً، وكثرة الكلام تُسوَّق على أنها إدارة. لا أحد يسأل عمّا تبقّى خلف الكواليس، ولا عمّا أُنجز فعلياً، فالصورة تكفي، والعنوان العريض يملأ الفراغ، أما النتائج، فتُؤجَّل دائماً إلى وقتٍ لاحق.
وسط هذا الضجيج، يتحوّل المنتخب إلى شمّاعة، والدوري إلى مسرح، والجمهور إلى وقود، بينما يغيب السؤال الأهم، هل ما يحدث يُدار بعقل كرة قدم، أم بعقل ردود أفعال مؤقتة، وهل ما نراه هو مشروع رياضي، أم مجرد محاولة دائمة للهروب إلى الأمام؟.
المنتخب لا يتأهّل بالهتاف العالي، ولا بالشرح المطوّل عبر المنصّات، ولا بمحاولات إقناع الجمهور بأن “النوايا طيّبة” تكفي لصناعة إنجاز. التأهّل عمل صامت، تراكمي، يبدأ من مكتب يعرف ماذا يريد، وينتهي داخل ملعب يعرف كيف ينفّذ. وما بينهما، تضيع الكرة العراقية في زحمة التبريرات.
وإذا كان المنتخب مرآة، فإن الدوري هو الصورة الأوضح للاختلال. دوري تُصرف عليه مبالغ طائلة، تُستقدم له أسماء ولاعبون محترفون على الورق، ويُروَّج له على أنه مشروع استعادة الهيبة، لكنه في الواقع لم يضف ما كان يُنتظر منه، لا فنياً ولا تنظيمياً. مستوى متذبذب، مباريات تُدار بالأعصاب، واعتراضات على التحكيم تتحوّل أحياناً إلى صِدام واشتباك، بلا رادع انضباطي حقيقي، وكأن الفوضى أصبحت جزءاً من المشهد الطبيعي.
في المدرّجات، يتقدّم التعصّب على التشجيع، ويخرج الصوت أحياناً عن المألوف، دون موقف حازم، ودون رسالة واضحة بأن للعبة أخلاقاً وحدوداً. أما داخل الوسط الكروي، فالصورة أكثر ارتباكاً، هذا عضو يهاجم الدوري، وذاك يطلق تصريحات نارية، وآخر يلمّح إلى اتهامات خطيرة، تُلقى في الهواء بلا دليل، أو تُترك معلّقة بلا رد.
المفارقة أن الاتحاد، الذي يُفترض أن يكون مرجعًا وحَكَمًا، يكتفي غالبًا بتصريحات “بين قوسين” لا تنفي ولا تؤكّد، لا تحسم ولا تُطمئن، فقط محاولة لـ”كف الشر” وترك الغبار يتراكم. لا بيان شافٍ، لا موقف واضح، ولا تفنيد مهني لما يُقال، وكأن الصمت بات سياسة، والتجاهل صار أسلوب إدارة.
إلى متى يُدار المشهد الكروي بهذا القدر من الارتجال، وإلى متى يُترك الدوري بلا هيبة، والمنتخب بلا مشروع، والجمهور بلا حقيقة؟.
هل نملك الجرأة على بناء منظومة إدارية رياضية حديثة، تُمسك بزمام القرار، وتضع حدًّا للفوضى، وتقود الكرة العراقية إلى برّ الأمان، أم سنبقى ندور في الحلقة ذاتها، نرفع الصوت، ونخفض السقف، ونؤجّل الحلم إلى إشعار آخر؟.



