الكوفية رمز عالمي

بقلم: يسري الغول..
كان صديقي البولندي وزوجته في زيارتنا ذات مساء، وهي تلبس الكوفية، رغم أنها ليست باللون الأبيض والأسود، أو الأبيض والأحمر، وإنما بألوان مختلطة، تختلف عن “الحطة” الفلسطينية “القُح”. كانت زوجته تتحدث عن فلسطين وتبكي، تتابع الأخبار كأنها جزء من هذا الكيان المضمخ بالدم، وقبل أن تغادر سألتها عن الكوفية، فقالت إنها لم تجد غير هذه “الحطة” لتعبر عن فلسطينيتها وانتمائها لغزة المدمرة.
لذلك سألت نفسي، كيف جاءت الكوفية؟ وكيف استطاعت أن تكون علامة على الانتماء لأقدس قضية عادلة اليوم؟ وما هو سبب استمرار لبسها والبحث عنها؟ وصولًا إلى الملثم رحمه الله، الذي جعل من الكوفية الحمراء رمزًا؟ في الوقت الذي باتت فيه الصين تنتج ملايين الأشكال والأنواع من الكوفيات، التي توزع لأكثر من مكان في العالم، لكنها مع كل ذلك التنوع اللوني، تحمل ريحة فلسطين، وطابع التضامن.
لقد نجحنا في صناعة الهوية، واستطعنا أن نحشد الرأي العام العالمي من خلال مجرد لبس قطعة قماش، لنعيد الوعي والاعتبار لقضية أوشكت على الموت، لكن السؤال المهم جدًا اليوم، كيف يمكن زيادة الحشد والمناصرة للقضية الفلسطينية؟ وهل الكوفية تكفي؟ وكيف يمكن توزيعها على الجماهير المحتشدة؟ تمامًا كما جرى بالأمس في “Vevey” التي قام بعض الأصدقاء العرب بعقد فعالية فنية ثقافية لأجل غزة، حيث لبس الجميع الحطات، حملوا الأعلام الصغيرة، وقالوا كلمتهم بصوت لا يهاب أو يرتعد من الملاحقة بسبب تهمة “معاداة السامية” التي يعمل خلالها الاحتلال على قمع الصوت الذي يطالب بالحرية لفلسطين.
ولأن الرمز يعني الكثير لأي أمة لديها موقف والتزام أخلاقي تجاه القضايا العادلة، وجب الإشارة إلى أن نشأة الكوفية جاءت من خلال الثقافة التقليدية للمنطقة التي تشمل بلاد الشام والعراق وبعض مناطق الشرق الأوسط، وليس فلسطين وحدها، حيث كانت تستخدم كجزء من الملابس اليومية للسكان المحليين هناك. والكوفية في الأصل، مجرد قطعة قماش تقليدية تُعرف أحيانًا باسم “المسح”، حيث كان يرتديها الفلاحون والبدو في الصحراء كوسيلة لحماية أنفسهم من هجير الشمس وغبار الرمال. وقد كانت في تلك الفترة، تُصنع من القطن أو الصوف وتأتي بألوان متعددة مثل الأبيض والأسود والأحمر كما أشرت لذلك سابقًا، وكانوا يربطون بها الرأس لتوفير الحماية من العوامل الجوية. لكنها ومع مرور الوقت، باتت الكوفية هوية حقيقية لفلسطين، وليس مجرد ملابس شعبية، بل رمز سياسي وثقافي، خصوصًا في فلسطين حيث أصبحت تمثل الهوية الوطنية والمقاومة.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى استمرارية الضغط على الاحتلال بكل الأدوات المتاحة لأجل إيقاف الإبادة التي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، من خلال الفعاليات والأنشطة التي مهما بدت ضعيفة، إلا أنها تستطيع تغيير الوعي الجمعي الغربي، الذي بدأ بالفعل يدرك حقيقة ما يجري في منطقة الشرق الأوسط، وأسباب وتداعيات الحروب هناك، وأحلام دولة الاحتلال التي تسعى للسيطرة على مقدرات الأمة، تحت شعار “إسرائيل الكبرى“.
إن هذا الرمز، المتمثل بقطعة قماش، يمكنه أن يكون سبيلًا لتغيير موقف شخص، قد يصبح زعيمًا أو فنانًا أو حتى محاضرًا، فيعمل على مزيد من التغيير نحو الإيمان بحق الفلسطيني بالحياة، وتحقيق الحرية التي كفلتها جميع القوانين الأرضية والسماوية. ولو كان الأمر بيدي، لقمت بالتعاقد مع العديد من شركات الملابس والأقمشة في كل مكان حول العالم، وبدأت بتوزيع تلك الكوفيات على البيوت، كرسالة محبة من أهل فلسطين، ودعوة لنشر هذه القطعة التي تشكل الرمز، لكن للأسف الحالة الدبلوماسية الرسمية الفلسطينية، لا تعبأ فيما يبدو بأي شيء يتعلق بالثقافة أو حتى نشر الوعي تجاه ما يجري في غزة اليوم أو محاولات نشر الهوية البصرية الفلسطينية، لذلك هي دعوة حقيقية وجادة للشبان الفلسطينيين المتواجدين في كل مكان، تحديدًا الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، إلى لبس الكوفية، بكل ألوانها، والعمل على تنفيذ الفعاليات الفنية وغيرها لأجل غزة، لأن ذلك يفتح نافذة جديدة للوعي تجاه القضية الفلسطينية التي بات صوتها عظيمًا، وسيهز أركان المؤسسات الدولية والحكومات لاحقًا.



