اراء

تحول قوات قسد استراتيجياً من شريك إلى عبء

بقلم: ويفا البدوي..
لطالما مثلت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” قاعدة هرمية في الاستراتيجية الأميركية لمحاربة “تنظيم داعش” الإراهابي. إلا أن عام 2026 كشف عن “انتهاء الوظيفة” لهذا التحالف.
بالتزامن مع صعود الإدارة الأميركية الجديدة وتعيين توم باراك مبعوثاً خاصاً لدى الولايات المتحدة الأميركية، بدأت واشنطن تروج علانية لفكرة أنّ المهمة الأصلية لقسد قد “انتهت صلاحيتها”.
هذا التحول ليس مجرد انسحاب عسكري، بل هو إعادة تعريف أو تحديث للمصالح؛ حيثُ تجد واشنطن اليوم أن الحفاظ على علاقةٍ مستقرة مع تركيا ودعم الحكومة الانتقالية في دمشق برئاسة “أحمد الشرع” قد يحقق لها أهدافاً أكثر أثراً من الاستمرار في دعم “كيان انفصالي” يثير حفيظة الحلفاء الإقليميين ناهيك عن تأدية الوظيفة التي أوجد لأجلها، وتغير وجهة النظام في دمشق.
براغماتية المصالح.. دمشق بديلةً عن الحسكة
تمارس الولايات المتحدة “تخلياً تكتيكياً” مدروساً. فبدلاً من تحمل تبعات حماية “الإدارة الذاتية” فَضلت الضغط على قسد للاندماج “كأفراد” داخل المؤسسة العسكرية السوريّة.
إنّ المصالح الأميركية الآن تتركز في:
-تقوية الدولة السوريّة المركزية “الجديدة” مع سياسة الاخيرة المنفتحة على خيارات واشنطن .
-إغلاق ملف سجون داعش من خلال نقل المسؤولية لدمشق فضلاً عن الحسكة أو ترحيل العناصر للعراق.
-إعادة ترميم العلاقة مع أنقرة عبر إزالة “البعبع الانفصالي” الذي لعب دوراً كبيراً في تسميم العلاقات الثنائية بين أعضاء الناتو.
الجوانب التحليلة: دروس “التخلي” المتكررة
إنّ ما تعيشهُ قسد اليوم هو تكرار لسيناريوهات تاريخية عاشها الكرد؛ حيثُ تظلّ القوى العظمى مخلصة “لمصالحها” لا “لحلفائها”. إن ضغط الأميركي الذي أثمر انسحاب قسد من غرب الفرات ثم تسليم حقول النفط شرقها لدمشق والانسحاب من محافظتي الرقة ودير الزور كليا، يعكس رغبة واشنطن في هندسة الوضع السوري بما يناسبها، خصوصا بعد المتغيرات التي شهدها الإقليم على إثر الحرب الإسرائيلية على لبنان، واتفاق غزة، وانهيار النظام السوري السابق الحليف لإيران.
وبناءً على التفاهمات السياسية الأخيرة في مطلع عام 2026، والضغوط التي مارستها واشنطن لدفع قوات سوريا الديمقراطية نحو طاولة المفاوضات مع دمشق، يمكننا سرد الشروط والآليات المقترحة لعملية الدمج العسكري.
إنّ هذه العملية لا تعد مجرد إجراء تقني، بل هيّ بمثابة “تصفية سياسية” لمشروع الإدارة الذاتية مقابل ضمانات أمنية.
وتتمحور المفاوضات الحالية حول ثلاث ركائز أساسية تضمن لدمشق السيادة، ولواشنطن حفظ مصالحها، حتى لو قررت الانسحاب العسكري من سوريا وللقيادات الكردية البقاء السياسي:
الدمج الفردي لا الجماعي: تصر دمشق (بدعمٍ تركي ومباركة أمريكية ضمنية) على رفض فكرة “الفيلق المستقل”. حيثُ يتم دمج المقاتلين كأفراد داخل تشكيلات الجيش السوري الجديدة، وتحديداً ضمن الفيلق الخامس أو الفرقة 25، لضمان تفتيت الولاءات التنظيمية السابقة.
هيكلية القيادة والأركان: المقترح يتضمن منح رتب عسكرية للضباط الكرد الذين لم ينشقوا سابقاً عن الجيش السوري، مع إخضاع القيادات الشابة لدورات تأهيلية في الكليات العسكرية السوريّة لضمان تبني “العقيدة العسكرية الوطنية”.
الانتشار الجغرافي (شرط السيادة): لا يُسمح للوحدات المدمجة بالبقاء حصراً في مناطقها (الحسكة والقامشلي)، بل يتم توزيعها على مناطق مختلفة داخل سوريا، وذلك لكسر الارتباط بين “المقاتل” والأرض التي كان يسعى لتحقيق استقلالها عن المركز.
ميزان القوى.. لماذا تقبل “قسد” بهذه الشروط القاسية؟
تضع الجغرافيا السياسية قسد حالياً بين فكي كماشة؛ فالولايات المتحدة لم تعد تقدم “شيكاً على بياض” للحماية، وتركيا تتربص بالحدود وتنظر لمصلحة أمنها القومي وبات نفوذها في سوريا أوسع. لذا، تبرز الدوافع التالية:
الشرعية القانونية: الحصول على رواتب ومزايا حكومية رسمية تحمي المقاتلين من الملاحقة الدولية أو تصنيفهم ك “ميليشيات متمردة”.
الحماية من الهجمات التركية خصوصا مع تحرر أنقرة من كثير من القيود التي كانت سائدة سابقا، حتى ما بعد انهيار النظام.
الاستدامة المالية: مع فقدان السيطرة على آبار النفط لصالح الدولة المركزية، لم تعد قسد قادرة على تمويل جيش قوامه آلاف المقاتلين.
في الختام، إن عملية الدمج تعد في جوهرها “شهادة وفاة” للجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطية، وتحويله إلى قوة شرطية محلية “أسايش” بمهامٍ محدودة تحت إشراف وزارة الداخلية السورية.
وعليه، فإن قسد أمام خيارين: إما الذوبان الكامل في هيكلية الدولة السوريّة الجديدة وفقدان خصوصيتها العسكرية، أو مواجهة آلة الحرب المركزية المدعومة تركيا مع غض نظر أميركي، مما يجعل من “التخلي” الأمريكي حقيقة جيوسياسية واضحة لا مجرد مخاوف عابرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى