اراء

إيران المعضلة.. التي لا تطوّع

بقلم: بثينة عليق..

لم يتوقف الاستهداف الأمريكي للجمهورية الإسلامية في إيران منذ انتصار الثورة عام 1979 بقيادة الإمام الخميني الراحل، وهو انتصار شكّل زلزالًا حقيقيًا على مستوى منطقة غرب آسيا، إذ أسقط مفاعيل التسوية المصرية-الإسرائيلية، وأعاد إحياء مواجهة الكيان الإسرائيلي، ورسّخ الدفاع عن القضية الفلسطينية بوصفها قضيةً مركزية للأمتين الإسلامية والعربية.

وإضافةً إلى ذلك، ومع إطلاق الثورة شعار «لا شرقية ولا غربية»، أصبحت إيران مساحةً مستقلة بالكامل عن قطبي ذلك الزمن، موسكو وواشنطن، منتِجةً سياسة تقوم على الانتماء إلى مصالحها الوطنية والمصالح الإقليمية لدول المنطقة، بعيدًا عن كل محاولات التفرد والهيمنة واستغلال الموارد وفق مصالح الدول القوية والمستبدة. كما أسست الثورة الإسلامية، ومن بعدها إيران الدولة، لمفهوم «المستضعفين» مقابل «المستكبرين”.

هذه الرؤية، النابعة من فكر الإمام الخميني الديني والثقافي، استمرت مع الإمام السيد علي الخامنئي من خلال ترسيخ مبادئ عدم الخضوع للقوة المستكبرة والمهيمنة.

وتُعدّ هذه السياسة الإيرانية الثابتة والمبدئية المشكلة والمعضلة الأساسية، والعقبة والجدار الصلب في مواجهة القوى الكبرى المتحكمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية ومنظمة حلف شمال الأطلسي.

إن محاولات واشنطن للتخلص من هذه العقبة وكسر الجدار الإيراني الصلب شملت مروحةً واسعة من الأعمال المركبة، بدءًا من إرهاق إيران في ثمانينيات القرن الماضي عبر مساندة النظام العراقي السابق في عدوانه على الدولة الفتية، مرورًا بإطلاق عمليات إرهابية واسعة استهدفت قادة الثورة، إضافة إلى محاولات خلق الفتنة وإشعال الصراعات الداخلية بين أبناء المجتمع الواحد.

لكن اليوم كما بالأمس، ترفض إيران الخضوع، وتثبت تمسكها بمبدأ الاستقلال، وتواصل مقارعة الاستكبار، وفق ما أعلنه بوضوح قائد الثورة الإسلامية في ذروة أعمال الشغب المنظَّم خلال الأسابيع الماضية، حين أكد أن إيران «لن تتراجع قيد أنملة عن مبادئها.

ووجّه كلامه مباشرة لترامب قائلًا: «إن المستبدين يسقطون في ذروة استبدادهم.

اليوم، يحبس العالم بأسره أنفاسه مترقبًا ما ستؤول إليه المواجهة الأميركية-الإيرانية، التي لم تعد تدار بالواسطة. فالحرب التي استمرّت اثني عشر يومًا أثبتت عدم قدرة “إسرائيل” على خوض حرب طويلة مع إيران، كما أكدت امتلاك طهران قدرات ردعية جدية ووازنة ومؤثرة.

وقد تبيّن أن بقاء إيران صامدة يعني بقاء الروح الاستقلالية في المنطقة حيّة وقوية، وأن المشروع الأميركي لتغيير الشرق الأوسط لصالح ما تسمى «إسرائيل العظمى» لن يتحقق في ظل حضور الجمهورية الإسلامية وثباتها وقوتها.

وجاءت تصريحات مسؤولين إسرائيليين لتصب في الاتجاه نفسه؛ إذ افتتح بنيامين نتنياهو جلسة حكومته بالقول: «نحن نتضامن مع نضال الشعب الإيراني وتطلعاته إلى الحرية والعدالة»، مضيفًا: «قد نكون أمام لحظة يأخذ فيها الإيرانيون مصيرهم بأيديهم».

بدوره، قال بني غانتس: «يجب علينا دعم الشعب الإيراني ضد نظام آية الله حتى يقتنع أو ينهار»، مضيفًا: «ليس من المؤكد أن هذه الفرصة ستتكرر، ويجب ألّا تُفوَّت».

أما المتطرف إيتمار بن غفير، فنشر رسومات تستهدف الإمام السيد علي الخامنئي والعلم الإيراني وهو يحترق، معلّقًا: «يجب أن يسكت الديكتاتور».

لقد أبدى قادة كيان العدو تفاؤلًا مفرطًا بإمكانية سقوط النظام، وعملوا على دفع الأميركيين إلى توجيه ضربة مباشرة لإيران، إلا أن ما جرى على أرض الواقع كان مختلفًا تمامًا. فقد تمكنت طهران، وبسرعة، من التعامل مع عناصر الشغب، والسيطرة على الأوضاع الداخلية بدرجة كبيرة، وإظهار قوته الشعبية، حيث حلّت الحشود المؤيدة للنظام في شوارع المدن الإيرانية المختلفة بدلًا من مشاهد الاحتجاجات.

أمام هذا الواقع، تبدو الأمور متجهة نحو فترة تريّث غير محددة زمنيًا، بهدف إعادة تقييم المشهد ودراسة الأوراق المتاحة على الطاولة الأميركية-الإسرائيلية. وما زيارة رئيس جهاز «الموساد» إلى واشنطن إلا مؤشر واضح على هذا المسار. وبناءً عليه، يُرجَّح أن نشهد تحركًا عبر أربعة مسارات رئيسية:

المسار الأول: مضاعفة الحشد العسكري الأمريكي ورفع مستوى الجهوزية الإسرائيلية في المنطقة.

المسار الثاني: تشديد الضغوط الاقتصادية، ومحاولة الضغط على الشارع الإيراني عبر تحويل حياة المواطنين إلى مسار أكثر صعوبة ومعاناة.

المسار الثالث: إعادة تجميع عناصر الإرباك الداخلي، والسعي إلى حشد عناصر جديدة ومؤثرة داخل الساحة الإيرانية.

المسار الرابع: تكثيف الضغط الدبلوماسي ومحاولة عزل الدولة الإيرانية، وهو ما بدأت مؤشراته بالظهور من خلال إغلاق بعض السفارات الأجنبية في طهران، ودعوة رعايا تلك الدول إلى مغادرة الأراضي الإيرانية.

في المقابل، تبدو إيران في حالة يقظة عالية وتأهّب شامل، عبر العمل على تعزيز أربعة عناصر أساسية:

العنصر الأول: جاهزية عسكرية دفاعية كاملة، مع الاستعداد للرد من دون الالتزام بسقوف أو قواعد اشتباك تقليدية.

العنصر الثاني: تعزيز الوحدة الوطنية والتماسك بين مختلف فئات الشعب، وهو ما تجلّى في الحراك الجماهيري الواسع الذي أظهر اتساع القاعدة الشعبية الداعمة للنظام.

العنصر الثالث: اتخاذ إجراءات اقتصادية عاجلة للتخفيف من حدة الأزمة الراهنة، وتقديم الدعم للفئات الأكثر تضررًا، ولا سيما الفقيرة ومحدودة الدخل.

العنصر الرابع: انتهاج دبلوماسية نشطة وفاعلة تقوم على كشف حقيقة ما يجري داخل إيران، وبناء جسور تعاون إقليمي ودولي مع الدول الجارة والصديقة.

وفي خضم هذا المشهد، يبرز سؤال محوري حول مستقبل دول المنطقة في حال نجح الأميركيون والإسرائيليون في تحقيق أهدافهم في إيران. فالسعودية تلقّت إشارات إنذار واضحة من ساحات كالصومال واليمن، وتركيا تدرك طبيعة المخططات التي تُحيكها “إسرائيل” ضدها في سوريا، فيما لا يخفى على باكستان حجم التعاون العميق بين “تل أبيب” ونيودلهي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى