لماذا يخدم الناس الإمام الحسين (ع) دون مقابل؟

صباح الصافي..
يثير مشهد الملايين من الرِّجال والنِّساء، والشَّباب وكبار السِّن، الذين يبذلون أوقاتهم وأموالهم وجهودهم في خدمة زائري الإمام الحسين (عليه السلام) من غير انتظار لأجر مادِّي أو منفعة شخصيَّة، تساؤلًا يستحق التَّأمل: ما الذي يدفع هؤلاء إلى هذا العطاء المستمر؟.
وكيف استطاعت هذه الظَّاهرة، أن تحافظ على حضورها واتِّساعها جيلًا بعد جيل، حتَّى أصبحت واحدةً من أبرز صور العمل التَّطوعي في العالم؟
إنَّ الخدمة الحسينيَّة هي ثقافة راسخة تشكَّلت في وجدان المؤمنين عبر قرون، وتجدَّد حضورها في كلِّ عام مع مواسم الزِّيارات، ولا سيَّما في زيارة الأربعين. ويظهر هذا التَّجدُّد في الإقبال الواسع على تقديم مختلف أشكال الخدمة، من إطعام الزَّائرين، وتوفير أماكن الرَّاحة والإيواء، والرِّعاية الصحيَّة، والإرشاد، والنَّقل، وغيرها من صور العطاء التي يشارك فيها أفراد من مختلف الأعمار والشَّرائح الاجتماعيَّة، بروح من التَّعاون والإيثار.
ولا يمكن تفسير هذه الظَّاهرة من خلال المقاييس الماديَّة وحدها؛ لأنَّ الدَّافع إليها يتَّصل بمنظومة من المعاني الإيمانيَّة والأخلاقيَّة والإنسانيَّة، يتقدَّمها حبُّ الإمام الحسين (عليه السلام)، وطلب القرب من الله تعالى، واستشعار شرف خدمة زائريه (عليه السلام)، إلى جانب ما تغرسه هذه الخدمة من الرَّحمة، والتَّكافل، والإحسان، وبذل المعروف. ولا تقتصر هذه القيم على البعد الوجداني أو الأخلاقي، فهي مستندة إلى توجيهات القرآن الكريم التي حثَّت على المبادرة إلى أعمال الخير، وربطتها بالإخلاص والثَّواب الإلهي، فقال الله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)، كما قال (سبحانه): (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ) وهما آيتان تؤكِّدان، أنَّ قيمة العمل تقاس بما يحمله من إخلاص، ونفع قبل أيِّ اعتبار آخر.
وقد أولى أهل البيت (عليهم السلام) خدمة المؤمنين عناية كبيرة، لما لها من منزلة عند الله تعالى؛ عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلَّادٍ، قَالَ: “سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَقُولُ: “إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً فِي الْأَرْضِ يَسْعَوْنَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ، هُمُ الْآمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ وَمَنْ أَدْخَلَ عَلى مُؤْمِنٍ سُرُوراً، فَرَّحَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”، وهو توجيه يبيِّن عظيم الأجر المترتب على خدمة النَّاس، ويكشف جانبًا من الدَّوافع التي تجعل المؤمن يُقبل على العطاء برغبة وطمأنينة، من غير انتظار لمكسب دنيوي.
لذلك، فإنَّ خدمة الإمام الحسين (عليه السلام) هي ترجمة عمليَّة للإيمان، وتجسيد لمبادئ النَّهضة الحسينيَّة التي قامت على التَّضحية والعطاء والوفاء. ولهذا يستمر الخادم في بذل جهده ووقته وماله عن قناعة راسخة، مستشعرًا أنَّ ما يقدِّمه هو مشاركة في إحياء رسالة الإمام الحسين (عليه السلام)، وتقرُّب إلى الله تعالى عن طريق خدمة عباده.
تستند الخدمة الحسينيَّة في جوهرها إلى محبَّةٍ صادقةٍ للإمام الحسين (عليه السلام)؛ وهذه المحبَّة هي قوَّة دافعة تنعكس في السُّلوك والعمل والعطاء. فعندما يستقر حبُّ الإمام (عليه السلام) في قلب المؤمن، يصبح البذل في سبيل إحياء نهضته وخدمة زائريه، أمرًا نابعًا من قناعة راسخة، يجد فيه الخادم سعادةً وطمأنينةً، لا عبئًا أو تكليفًا ثقيلًا.
وقد جعل القرآن الكريم المحبَّة الصَّادقة لله (عزَّ وجلَّ) ورسوله (صلَّى الله عليه وآله) أساسًا للطَّاعة والعمل، فقال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، فربط بين المحبَّة والعمل، وجعل صدق المحبَّة ظاهرًا في السُّلوك والالتزام. ولهذا، فإنَّ محبَّة الإمام الحسين (عليه السلام) تظهر في الحرص على إحياء شعائره، وخدمة زائريه، والمحافظة على الأهداف التي ضحى من أجلها؛ لأنَّ المحبَّة الحقيقيَّة تتجسَّد في المواقف والأفعال، ولا تقف عند حدود المشاعر.
ولهذا، ينظرُ خَدَمةُ الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الخِدمة بوصفها تعبيرًا عمليًّا عن الولاء، فهي وسيلة لترجمة الانتماء إلى نهج أهل البيت (عليهم السلام) من خلال نكران الذَّات، وحسن الخلق، وبذل الجهد في راحة الآخرين.
كما تعدُّ الخدمة الحسينيَّة طريقًا يتقرَّب به المؤمن إلى الله تعالى؛ لأنَّ خدمة النَّاس من الأعمال التي حثَّ عليها الإسلام، وجعلها من أفضل القربات؛ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): “قَالَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ): “الْخَلْقُ عِيَالِي، فَأَحَبُّهُمْ إِلَيَّ أَلْطَفُهُمْ بِهِمْ، وَأَسْعَاهُمْ فِي حَوَائِجِهِمْ”، وهو ما يكشف المكانة الرَّفيعة لخدمة الآخرين في المنظور الإسلامي.



