الاتفاق المائي بين العراق وتركيا يُطرح مجدداً على طاولة البرلمان

وعود أنقرة تتبخر بنيران الانتظار
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
يعد ملف المياه أحد أخطر التحديات الإستراتيجية التي تواجه العراق في المرحلة الراهنة، في ظل تفاقم الجفاف، وتراجع معدلات الأمطار خصوصاً في محافظات الوسط والجنوب، والانخفاض المستمر في مناسيب نهري دجلة والفرات، وعلى الرغم من توقيع اتفاقية إطارية بين العراق وتركيا بشأن التعاون المائي، إلا أن هذه الاتفاقية مازالت حتى الآن، حبراً على ورق، دون أن تنعكس بشكل فعلي على الواقع المائي العراقي، الأمر الذي فاقم من حجم الأزمة وأثار تساؤلات سياسية وشعبية واسعة حول جدوى الاتفاق وآليات تنفيذه.
وعلى هذا الأساس، باشر مجلس النواب، عقد جلسة استضافة لوزير الموارد المائية والكادر المتقدم لوزارة الخارجية، للوقوف على أسباب تأخر الجانب التركي في الاطلاقات المائية، على الرغم من ان هذه الاتفاقية وقعت منذ أشهر والهدف منها تنظيم التعاون بين البلدين في إدارة الموارد المائية المشتركة، وتحقيق نوع من الاستقرار في الإطلاقات المائية، خصوصاً أن تركيا تعد دولة المنبع الرئيسة لنهري دجلة والفرات، غير أن الواقع يشير إلى أن العراق لم يتسلم أية دفعة مائية إضافية واضحة منذ الإعلان عن الاتفاق، ما وضع علامات استفهام كبيرة حول التزامات الجانب التركي، وقدرة الحكومة العراقية على تحويل التفاهمات الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة.
وحول هذا الموضوع، يرى الخبير الاقتصادي د. فالح الزبيدي في حديث لـ “المراقب العراقي”، أن “غياب التطبيق العملي للاتفاقية يعكس خللاً في إدارة ملف التفاوض المائي، إذ لم ترفق الاتفاقية بآليات ملزمة أو جداول زمنية واضحة تضمن حقوق العراق، بل اعتمدت على إطار عام للتعاون، وهو ما أضعف الموقف التفاوضي العراقي، خصوصاً في ظل تصاعد الضغوط المناخية وتزايد الطلب المحلي على المياه.”
وأضاف، أن “استمرار بناء السدود والمشاريع المائية من قبل الجانب التركي، مقابل غياب ضمانات حقيقية لحصص العراق، أسهم في تعميق الأزمة، وجعل البلاد أكثر هشاشة أمام التغيرات المناخية”، مبينا، ان “العراق اليوم لا يواجه فقط مشكلة خارجية مرتبطة بدول الجوار، بل يواجه أيضاً تحديات داخلية تتعلق بسوء إدارة الموارد المائية، وارتفاع نسب الهدر، وتهالك البنى التحتية، وضعف استراتيجيات الخزن والترشيد”.
ودعا الزبيدي الى “تفعيل الضغط الاقتصادي الى جانب الدور الدبلوماسي من أجل المضي بهذه الاتفاقية، وعدم الاكتفاء بالبيانات المشتركة أو الزيارات الرسمية”، مؤكداً، ان “موضوع المياه لم يعد ملفاً فنياً يمكن تأجيله، بل قضية جوهرية تمس الملف الغذائي لشعب كامل، وتتطلب تحركاً متعدد المسارات يشمل البرلمان والحكومة والدبلوماسية العراقية ككل”.
وفي سياق متصل، شدد مراقبون على ضرورة استخدام أدوات الضغط المشروعة، سواء عبر المنظمات الدولية، أو تفعيل مبدأ الأنهار الدولية، أو ربط ملفات التعاون الاقتصادي والتجاري مع تركيا بملف المياه، بما يضمن تحقيق توازن حقيقي في المصالح، كما أن إشراك مجلس النواب في مراقبة تنفيذ الاتفاقيات يمنح الملف، بعداً رقابياً يمنع تكرار التجارب السابقة التي انتهت دون نتائج ملموسة.
وأشاروا الى ان “الاتفاقية الإطارية مع تركيا، بصيغتها الحالية، غير كافية لمعالجة الأزمة المائية العراقية، ما لم تدعَم بإجراءات تنفيذية واضحة وضمانات ملزمة”، مؤكدين، ان “استمرار الجفاف وقلة الأمطار يجعل من أي تأخير في تفعيل الاتفاقية خطراً مباشراً على الأمن الوطني، وليس مجرد أزمة خدمية عابرة.”
وتعتبر الاتفاقية المائية مع تركيا، فرصة مهمة للعراق، لكنها حتى الآن لم تُحقق الهدف الأساسي منها، وهو تأمين تدفقات مائية مستقرة، ومع تفاقم الجفاف وقلة الأمطار في الوسط والجنوب، بات من الضروري الانتقال من مرحلة الانتظار إلى مرحلة الضغط والتفعيل، لكي لا يبقى ملف المياه رهينة التعهدات غير المنفذة، ولحماية مستقبل العراق المائي والبيئي والغذائي.



