الإجراءات الحكومية تُصب على المواطن وتستثني امتيازات هرم السلطة

تقشف يثقل ظهور الفقراء فقط
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
في إطار مساعي الحكومة لمعالجة الضغوط المالية المتزايدة، جاءت قرارات وزارة المالية ومجلس الوزراء والمجلس الوزاري للاقتصاد لتضع مجموعة من الإجراءات التي لا يمكن إنكار أهميتها من حيث المبدأ، مثل إيقاف احتساب مخصصات الخدمة الجامعية اعتباراً من بداية العام الحالي، وإيقاف النقل بين الوزارات التي تضاف اليها مخصصات مالية، وتعليق الإيفادات الخارجية، وبيع السيارات الحكومية القديمة التي تجاوز استهلاكها 15 سنة، إضافة إلى التأكيد على تفعيل نشاط إعادة التصدير، هذه الخطوات تؤكد وجود خلل مالي تستوجب معالجته، وتمثل محاولة للحد من بعض أوجه الهدر وترشيد الإنفاق العام.
إلا أن الإشكالية الأساسية لا تكمُنُ في التقليل من قيمة هذه القرارات لكنها غير كافية ومحدودة التأثير إذا ما قورنت بحجم الأزمة المالية التي تعاني منها خزينة الدولة وبطبيعة الخلل البنيوي في هيكل الإنفاق الحكومي، فهذه الإجراءات تلامس أطراف المشكلة أكثر مما تمس جوهرها، وتعالج تفاصيل محدودة التأثير ، فيما يبقى رأس الهرم المالي بمنأى عن أي إصلاح حقيقي.
كما أن إيقاف احتساب المخصصات الجامعية أو تعليق الإيفادات الخارجية للموظفين، قد يحقق وفرة مالية نسبية، لكنها محدودة لا يمكن أن تحدث تحولاً ملموساً في الموازنة العامة، كما أن بيع السيارات الحكومية القديمة خطوة إيجابية من حيث تقليل النفقات الثانوية، لكنها إجراءات ذات طابع إداري، لا يرقى إلى مستوى الإصلاح المالي المطلوب، أما تفعيل إعادة التصدير، فهو مسار اقتصادي مهم، غير أن نتائجه تحتاج وقتاً وبنية تحتية وإصلاحات مؤسسية أوسع كي تنعكس فعلياً على الإيرادات.
وفي ذات السياق أكد الخبير الاقتصادي أحمد الوائلي في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “المشكلة الحقيقية لا تكمن في هذه القرارات بحد ذاتها، بل في اعتبارها حلاً كافياً للأزمة، مضيفاً أن أي إصلاح مالي لا يبدأ من رأس الهرم في السلطة سيبقى إصلاحاً منقوصاً، مهما كانت نواياه جيدة”.
وأردف الوائلي أن “موازنات الرئاسات الثلاث، وما يرافقها من نثريات مرتفعة، وإيفادات خارجية مكلفة، ورواتب ومخصصات وامتيازات يجب أن تخضع للمعاير التقشفية أولاً قبل التطرق إلى باقي الوزارات من أجل تعزيز الثقة لدى المواطن بأنه ليس المستهدف الوحيد وإنما تم اتخاذ هذه القرارات من أعلى سلطة في البلاد الى بقية الوزارات وبيان مدى حجم خطورة الوضع المالي بالبلد في ظل انخفاض أسعار النفط العالمية ” .
وأما بعض الوزارات والهيآت المستقلة يرى الوائلي أن” بعضها يتمتع بسلالم رواتب عالية جداً مقارنة بوزارات خدمية أخرى، ما خلق فجوة كبيرة في الدخل بين موظفي الدولة الواحدة، وأسهم بتضخم الإنفاق التشغيلي دون مبرر اقتصادي حقيقي، مبينا أن هذا التفاوت، لا يمثل عبئاً مالياً فحسب، بل يكرس شعوراً بعدم العدالة بين الموظفين على الرغم من حصولهم على نفس الدرجة الوظيفية “.
ومن جانب آخر يرى مراقبون أن” الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ بمراجعة شاملة لموازنات الرئاسات الثلاث، وتقليص نثرياتها وإيفاداتها، وضبط الامتيازات الخاصة، وإعادة النظر في سلالم الرواتب المرتفعة لبعض الوزارات، قبل الانتقال إلى إجراءات تمس القاعدة العريضة من الموظفين. فالمعالجة من الأعلى إلى الأسفل لأنها منطق اقتصادي يضمن عدالة التقشف وفاعليته”.
وتمثل القرارات الحكومية الأخيرة خطوة محدودة التأثير على الاقتصاد المتأزم، إذا لم تتم إجراءات تقشفية تبدأ من هرم السلطة ، وإلا ستبقى هذه القرارات مجرد أدوات لتخفيف الضغط مؤقتاً، لا إصلاحاً اقتصادياً شاملاً يعالج الخلل من جذوره ويضع البلاد على مسار مالي أكثر استدامة.



