اراء

إيران.. قلعة المقاومة الأخيرة

بقلم: السيد شبل..

منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، لم تعد خارطة التوازنات في الشرق الأوسط كما كانت. ففي اللحظة التي كانت تخرج فيها كبرى الدول العربية من الصراع مع العدو الإسرائيلي عبر بوابة “كامب ديفيد”، كانت طهران تفتح بوابة جديدة نحو دعم المقاومة. اليوم، وفي ظل تراجع المد القومي واليساري العربي الذي حمل لواء فلسطين لعقود، يبرز تساؤل مصيري: ماذا سيحدث للعرب إذا ضعف هذا الدور الإيراني الذي يشكل العمود الفقري لمحور الممانعة اليوم؟!.

تحوّل استراتيجي.. من التبعية لواشنطن إلى قيادة المقاومة

​قبل الثورة، كانت إيران تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي حليفاً استراتيجياً لـ”تل أبيب”؛ ورغم الحرج السياسي الذي منع الشاه من فتح سفارة رسمية للعدو، فإنّ بعثة دبلوماسية إسرائيلية كانت موجودة بشكل دائم على أراضي طهران، وكانت على المستوى العملي تمارس دورها كسفارة، وتدير مصالح “تل أبيب” الأمنية والاقتصادية بقوة.

ثم جاءت الثورة الإيرانية لتقلب الطاولة، فلم تكتفِ بطرد البعثة، بل قامت بخطوة لم تجرؤ عليها أية دولة حينها، وهي تسليم مقر البعثة الإسرائيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ليتحول إلى أول سفارة لفلسطين في العالم. وقد رفع فيها ياسر عرفات العلم الفلسطيني في لحظة تأريخية كسرت العزلة التي كانت مفروضة على المقاومة الفلسطينية.

​هذا الموقف لم يكن مجرد استعراض دبلوماسي، بل تبعه موقف حاسم في “أزمة الرهائن” في السفارة الأمريكية. ومن خلال هذا المسار، تأكد أن الزمان الذي كانت فيه إيران تابعة للمصالح الغربية قد ولى.

ومع تراجع تأثير التيارات القومية في الأقطار العربية، وانكفاء الحركات اليسارية، أصبحت إيران هي “الرئة” الوحيدة التي تتنفس منها حركات المقاومة في لبنان وفلسطين.

​وقد أدت طهران دوراً محورياً في إفشال المشاريع الإسرائيلية والأمريكية. ففي لبنان، كان الدعم الإيراني لحزب الله هو الوقود الذي أدى إلى تحرير الجنوب عام 2000، وهو أول انتصار عربي عسكري حاسم ومستدام ضد “إسرائيل” دون تنازلات أو تسويات سياسية.

​أما ​إذا تخيلنا ضعف هذا الدور أو تراجعه في ظل التحديات الحالية، فإن العرب سيواجهون جملة من العواقب الكارثية.

أولاً.. تصفية القضية الفلسطينية نهائياً

بضعف الدعم الإيراني، ستواجه حركات المقاومة الفلسطينية عزلة خانقة، وخصوصاً في ظل تسارع وتيرة “اتفاقيات أبراهام” وانكفاء العمق العربي الرسمي، فالإمكانات التقنية والسلاح الذي توفره طهران يمثل حالياً “صمام الأمان” الاستراتيجي الذي يحافظ على فاعلية المقاومة فوق الأرض، ويمنع تحويل القضية الفلسطينية من معركة تحرر وطني إلى مجرد “ملف إنساني” يُدار تحت رحمة الاحتلال.

ثانياً.. التغوّل الإسرائيلي المُطلق

غياب “قوة الردع” التي تمثلها ساحات المقاومة في العالم العربي يعني أن “إسرائيل” ستكون لها اليد الطولى في المنطقة. ولن يقتصر الأمر على فلسطين، بل ستمتد الأطماع الإسرائيلية للسيطرة الاقتصادية والأمنية على العواصم العربية دون وجود “ظهير” قادر على الممانعة.

حتى الدول المحسوبة على معسكر الاعتدال ستكون مهددة من “تل أبيب”، وخصوصاً في ظل سياسات اليمين الصهيوني، ومشاريعه الرامية إلى إقامة “اسرائيل الكبرى”، ورغبته في ابتلاع الضفة الغربية وقطاع غزة، ثمّ التحكم في مصير دول الجوار.

ثالثاً.. الانفراد الأمريكي بالقرار العربي

ضعف إيران يعني عودة المنطقة إلى حقبة “القطب الواحد” والتبعية الكاملة لواشنطن. هذا يعني أن الثروات النفطية والقرارات السياسية العربية ستكون محكومة بالكامل بالمصالح الأمريكية، دون وجود أي بديل يمنح هامشاً، ولو للمناورة السياسية.

الحقيقة أن إيران نجحت في خلق “عالم متعدد الأقطاب” داخل حدود غرب آسيا وشمال أفريقيا، إذ تمكنت على مدار عقود من حصار وإجهاض المشاريع الأمريكية الكبرى، من “الشرق الأوسط الجديد” إلى “صفقة القرن”. وهذا يُفسر سر استهداف دونالد ترامب المكثف لإيران.

رابعاً.. تفكك النسيج المقاوم

في دول مثل لبنان واليمن والعراق، يمثل الانحياز إلى مشروع المقاومة سداً أمام مشاريع التقسيم الطائفي داخلياً. ولا شك في أن ضعف هذا المحور سيؤدي إلى فوضى تخدم الأجندات التي تهدف إلى تفتيت الدول العربية إلى دويلات صغيرة متناحرة.

إن أهم زاوية في المشروع الإيراني بعد 1979 هي تحويل الدين من طقس انعزالي إلى جسر ثقافي مع العرب، ثم توظيفه ضمن مشروع مقاومة عابر للطوائف. خلافاً للدعاية السائدة، لم تتحرك طهران بمنطق مذهبي، بل دعمت كل حركة ترفع راية التصدي للهيمنة الأمريكية-الإسرائيلية، وشكلت سداً منيعاً أمام الحركات السلفية المتعصبة خاصة بعد عام ٢٠١١، ودعمت مشاريع الوحدة الوطنية باتجاه فلسطين، معتبرة ذلك هو الضامن الوحيد لمنع التفتيت الطائفي الذي يخدم “إسرائيل”.

كيف يتآمر العرب على أنفسهم؟

عندما تدعم وسائل إعلام عربية، محسوبة على أنظمة بعينها، الشعارات المناهضة للنظام الإيراني الآن، فإنها في الواقع تتآمر على مصالح الشعب العربي ذاته، وتخدم أجندات سياسية لا يمكن أن تعود بالنفع على البلدان العربية من أية زاوية.

هذه القوى الرجعية، التي تنادي بالعودة إلى إيران ما قبل عام ١٩٧٩، متجاهلة حجم التضحيات التي قدمها الشعب الإيراني للتخلص من حكم الشاه، تتبنى خطاباً ينسلخ تماماً عن القضايا العربية، بل ويناصبها العداء. وإن زيارة “رضا بهلوي” الثاني للقدس المحتلة، ولقاءه بنيامين نتنياهو، ورفع أنصاره للأعلام الإسرائيلية، يؤكد أن البديل للثورة الإيرانية سيكون نظاماً صديقاً للصهيونية، بل ويتبنى خطاباً عنصرياً واستعلائياً تجاه العرب، وسيكون هدفه هو خدمة المشروع الأمريكي، مقابل أن يُمنح قدراً من “كعكة الوطن العربي”.

ضمن تلك المعادلة، يكون تحرك جهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد” لاستثمار الحالة الشعبية في إيران اليوم فعلاً منطقياً ومتوقعاً؛ إذ يسعى لتوجيه الأزمات المعيشية الناجمة عن العقوبات الغربية وبعض القرارات الاقتصادية المجانبة للصواب نحو مساراتٍ تخدم إثارة الاضطرابات والنزعات الانفصالية.

لم يعد هذا الأمر سراً، بل أضحى استراتيجية معلنة؛ إذ نشر الحساب الرسمي للموساد باللغة الفارسية على منصة “إكس” بياناً، بتأريخ ٣١/١٢/٢٠٢٥، أكد دعمه الصريح للاحتجاجات وزعم وجود عناصر ميدانية لمساندتها. وهذا التوجه عززه “مايك بومبيو”، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، في تصريحاته التي أكدت أن الموساد الإسرائيلي موجود على الأرض ويسعى لإثارة الاضطرابات داخل إيران. وقد سقط شهداء من قوات الأمن الإيرانية أثناء تصدّيهم لتلك العناصر التي حاولت الانتشار، وخصوصاً في محافظات إيران الحدودية، بالتعاون مع بعض الأحزاب والمنظمات المحظورة التي تدعم مشاريع تفتيت وحدة الدولة الإيرانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى