اراء

اختطاف مادورو.. هل يكون المسمار الأخير في نعش الولايات المتحدة بوضعها الراهن؟

بقلم: رامي الشاعر..

طالب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بالإفراج الفوري عن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وإعادته إلى منصبه رئيساً لفنزويلا.

كذلك أعربت الخارجية الصينية عن قلقها الشديد إزاء اختطاف الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته وطالبت واشنطن بضمان سلامتهما وإطلاق سراحهما فورا.

كما أكد المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي حول الوضع في فنزويلا، ان روسيا تدين العمل العدواني الدولي الذي قامت به الولايات المتحدة ضد فنزويلا.

وتابع، أن العدوان الأمريكي المسلح على فنزويلا والذي رافقه مقتل عشرات المواطنين الفنزويليين والكوبيين يعد “نذيرا لعودة عهد الفوضى وانعدام القانون والهيمنة الأمريكية بالقوة، وهي أمور لا تزال تعاني عشرات الدول في مناطق مختلفة من العالم من تداعياتها”.

وبينما قد تبدو العملية المحكمة “انتصارا” أمريكيا، بوصف الولايات المتحدة الدولة الأقوى المهيمنة على مصائر البلاد والعباد، تبطش أو ترضى متى تشاء، وتمنح وتمنع وتفرض الحصار والعقوبات متى تشاء، وتفرض إرادتها بمختلف وسائل الضغط والإملاء، بالحديد أو النار أو الثورات الملونة أو الانقلابات العسكرية أو حتى الاختطاف كما رأينا والاغتيال خارج أي قانون لا سمح الله. برغم كل ذلك إلا أن الصورة الحقيقية لما يحدث تعكس ضعفاً واهتزازاً أكثر من القوة والقدرة.

بطبيعة الحال، وكما هو متوقع، نزل متظاهرون إلى الشوارع الفنزويلية تعبيرا عن رفضهم لانتهاك سيادتهم وانتهاك دستورهم واختطاف رئيسهم، كما أتوقع أن تكون تظاهرات مقابلة قد نزلت تعبيرا عن “فرحتهم” برحيل “الدكتاتور” بأياد استعمارية أجنبية، وتعليقا على العدوان الأمريكي واختطاف الرئيس الفنزويلي، صرحت زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، التي قال ترامب إنها “لا تحظى باحترام ودعم الشعب الفنزويلي”، بأن “العملية الأمريكية في فنزويلا واحتجاز رئيسها تثبت أن الرئيس دونالد ترامب استحق جائزة نوبل”.

لقد بلغ معدل نمو الاقتصاد الصيني عام 2024 زهاء 5%، بينما بلغ معدل نمو الاقتصاد الأمريكي لنفس الفترة 2.8%، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي الصيني نحو 20 تريليون دولار والأمريكي نحو 30 تريليون دولار. وهنا مربط الفرس، فإغلاق 5% من إجمالي واردات الصين (الصين تستحوذ على 85% من صادرات النفط الفنزويلي) من النفط، والأهم إغلاق آفاق التعاون والاستثمار الصيني في البلاد سيؤثر سلبا على الصين، العدو الرئيسي والوجودي للولايات المتحدة.

ما وقع منذ أيام في فنزويلا هو واقعة سطو مسلح دولية متكاملة الأركان، محاولة من الإدارة الأمريكية مواجهة الأزمات الداخلية والتراجع الأمريكي الاقتصادي والسياسي والعسكري المتسارع من خلال قفزات مظلية وإنزالات انقلابية، على أمل أن يؤدي ذلك “العرض” Show الأمريكي إلى ذر الرماد في العيون، والإيهام بقوة وهيمنة وسيطرة الإمبراطورية الأمريكية التي تنهار أمام أعيننا، وفقا لحقائق التأريخ الموضوعية.

ما نراه أمامنا اليوم هو التنفيذ العملي لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة التي تحمل عنواناً رئيساً هو الهيمنة على نصف الكرة الغربي وضمان تأمينه وتأمين موارده لصالح الولايات المتحدة، وإعادة التموضع بالتخلص من بعض “أعباء الناتو” في أوروبا، وعكس اتجاه العولمة.

هل يعني ذلك تنازل الولايات المتحدة عن كونها قوة عظمى عالمية، وشرطي العالم، والعودة إلى “عقيدة مونرو” (1823) Monroe Doctrine، التي تنص على عدم تدخل القوى الأوروبية في شؤون دول نصف الكرة الغربي، مقابل التزام أمريكا بعدم التدخل في شؤون أوروبا؟ لا أتوقع ذلك، لأن الولايات المتحدة لا تزال تعلن وتقوم بإجراءات تخص غرينلاند والقطب الشمالي، بما تحمله هذه المنطقة المهمة من موارد وآفاق للاستثمار، كما توسع الولايات المتحدة من قواعدها في آسيا، وتؤسس لتوازنات أمنية جديدة في المنطقة.

لن تنزلق القوى الكبرى إلى مواجهات كبرى مباشرة، وأعني هنا روسيا والصين والهند، ويكفي على الولايات المتحدة أن تتعامل مع الأزمات المتصاعدة في ساحتها الخلفية، التي بدأت يوم 3 كانون الثاني بتلك المخاطرة الرعناء، التي تنذر بزعزعة استقرار مستدامة لبعض الوقت في الإقليم برمته وليس فنزويلا فحسب. وبإمكاننا القول، إن فنزويلا بالنسبة لواشنطن لن تكون فيتنام جديدة، وإنما أفغانستان جديدة تخرج منها الولايات المتحدة خالية الوفاض بعد عشرين عاما، بانتصار لجماعات مسلحة تسمى “طالبان” وبسطها سيطرتها بعد عقدين من صراع أقوى قوة عسكرية على وجه الأرض.

إن الإمبراطوريات إنما تنهار بالضبط في لحظة التوسع والنشاط العسكري الحربي الأقصى لها، ذلك أن التوسع والتمدد يصبح في لحظة خائنة أكبر من قدرة المركز على الاستيعاب والهضم والسيطرة، وتصدير الأزمات للخارج في محاولة للبحث عن مزيد من الموارد، وافتعال الانقلابات والثورات الملونة واستنزاف الخصوم لا يعالج أزمات الداخل بقدر ما يعقدها ويزيد من تفسخ وتشرذم الجبهة الداخلية، والمنظومة الغربية بزعامة واشنطن، وصلت إلى أقصى توسع ممكن في العالم بأسره بعد توهم “النصر” على الاتحاد السوفيتي بتفككه، والعيش في وهم “القطب الواحد” زهاء ثلاثة عقود.

اختطاف مادورو ربما يكون أحد المسامير الأخيرة في نعش الولايات المتحدة، وربما النظام الرأسمالي برمته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى