المنافسة التركية – الإسرائيلية.. من سوريا إلى أرض الصومال

بقلم: حسني محلي..
لإنقاذ ماء الوجه، لم تتأخر الدول العربية والإسلامية، وأهمها تركيا ومصر والسعودية، للتعبير عن استنكارها لاعتراف رئيس وزراء الكيان العبري نتنياهو باستقلال ما يسمّى جمهورية أرض الصومال، التي سبق لها أن أعلنت انفصالها عن الصومال، وهي أرض الصراعات والمنافسات العربية الإسلامية بين تركيا والإمارات والسعودية ومصر، حالها حال سوريا والسودان وليبيا وحتى فلسطين.
وهو ما استغله الكيان العبري لتنفيذ المزيد من مشاريعه ومخططاته المعروفة، خاصة بعد ما يسمّى الربيع العربي، حيث تحالف معظم الدول الإقليمية المدعومة من العواصم الإمبريالية والاستعمارية ضد الأنظمة الحاكمة في تونس وليبيا ومصر واليمن، والأهم سوريا، وهي الهدف الرئيسي لهذا “الربيع” الذي حقق أهدافه بتدمير ليبيا وسوريا واليمن ولبنان وفلسطين مع العدوان على إيران.
فبعد حرب دامت أكثر من خمسين عاماً وبدعم من الكيان العبري، خسر السودان جنوبه في بدايات الربيع العربي، ثم شن التحالف الخليجي في آذار 2015 عدوانه السافر على اليمن الشقيق الذي تحول لاحقاً إلى ساحة للصراعات الداخلية، حاله حال ليبيا التي أصبحت تركيا طرفاً أساسياً في مجمل تطوراتها بعد أن دعمت في ربيع 2020 وبالمرتزقة السوريين حكام طرابلس ومعها قطر، وضد حكام بنغازي المدعومين من مصر والسعودية والإمارات.
فوجدت هذه الدول نفسها وجهاً لوجه في ساحة الصراعات الداخلية في السودان بعد إسقاط نظام عمر البشير وكما هو الحال في الصومال البلد الأكثر استراتيجية بالنسبة لكل القوى الاقليمية والدولية وفي مقدمتها الكيان العبري.
ونجح هذا الكيان في استغلال المنافسات والمواجهات والصراعات العلنية منها والخفية بين الدول المذكورة في ليبيا والسودان والصومال وقبل ذلك العراق وأخيراً في سوريا، فأقام تحالفات استراتيجية مع إثيوبيا وشجعها على الاستمرار في بناء السدود على النيل الأزرق وروافده، وللانتقام في الوقت المناسب من مصر التي تتحدث التوراة عن “حق” بني إسرائيل فيها.
حتى وإن تجاهلنا تدخلات الكيان العبري في القارة السمراء في السر والعلن، فقد جاء اعتراف هذا الكيان باستقلال أرض الصومال العربي كتحدٍ واضح وعلني إن لم يكن استهتاراً واستحقاراً لكل دول المنطقة وفي مقدمتها من دون شك تركيا “العثمانية” التي تتحدث منذ فترة عن حقها التأريخي بالمنطقة وفلسطين جزءاً منها.
ويفسر كل ذلك تبادل التهديدات النارية بين “تل أبيب” وأنقرة، وقد فشلتا حتى الآن في الاتفاق على الحد الأدنى من القواسم المشتركة في سوريا، وقال الرئيس ترامب أكثر من مرة، “إن أردوغان أرسل رجاله إليها وأسقط نظام الأسد واستولى على السلطة فيها بشكل غير لبق”.
إذ كان الجميع في المنطقة وخارجها في خدمة هذا الكيان بشكل مباشر أو غير مباشر كما هي الحال عليه الآن في سوريا تحت حكم الإسلاميين المتطرفين برعاية أمريكية أسهمت في سيطرة الدروز على الجنوب والكرد على الشرق والجيش التركي على نحو عشرة في المئة من مساحة سوريا في الشمال.
ومع حديث الرئيس ترامب المتكرر عن محبته لنتنياهو وأردوغان ومساعي سفيره في أنقرة توم برًاك لتحقيق المصالحة بينهما، يعرف الجميع أن “تل أبيب” منعت دمشق من التوقيع على أي اتفاق للدفاع المشترك بينها وبين أنقرة كما عرقلت إقامة أي قواعد عسكرية تركية وسط وجنوب سوريا التي يريد لها نتنياهو أن تستسلم لشروطه من أجل التطبيع الذي سيضمن للرئيس أحمد الشرع بقاءه في السلطة بفضل الدعم الأمريكي واليهودي العالمي المرهون بالضوء الأخضر الإسرائيلي.
ويفسر ذلك قرار نتنياهو المفاجئ للاعتراف باستقلال أرض الصومال وهو ما سيحقق لتل أبيب مكاسب استراتيجية على المدى المتوسط والبعيد بعد إقامة القواعد الاسرائيلية في أرض الصومال الذي يطل على بحر العرب وباب المندب بنحو 700 كم.
وسيشكل ذلك خطراً على اليمن والسعودية والسودان ومصر والتجارة العالمية عبر البحر الأحمر مع المعلومات التي تتحدث عن إقامة قواعد عسكرية إسرائيلية في إثيوبيا ولاحقاً في جيبوتي.
وهو المخطط الذي إن تحقق، لا ولن تقل أهميته عن إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، إذ بدأت هجرة اليهود إليه قبل ما لا يقل عن 200 عام من قرار التقسيم عام 1974.
فالوجود الصهيوني في إثيوبيا وأرض الصومال وجيبوتي وجنوب السودان وقبل ذلك في كينيا ودول منابع النيل الأخرى سيعني في نهاية المطاف سيطرة الكيان العبري على مياه النيل الأبيض والأزرق، كما أنه سيعني التحكم بحركة المرور في البحر الأحمر، وبشطريه الغربي، أي السوداني والمصري، والشرقي أي السعودي حيث مكة المكرمة والمدينة المنورة، التي يحلم بل يخطط الصهاينة للعودة إليها وفق نصوصهم التوراتية وأساطيرهم التأريخية السخيفة للعودة إليها.
وأثبتت كل التطورات الأخيرة منذ ما يسمّى الربيع العربي وما نتج عنه من ظروف صعبة بالنسبة إلى الجميع، أنه لم تعد هناك أية قوة تستطيع أن تواجه غطرسة واستهتار هذا الكيان سوى اتفاق الدول العربية والإسلامية على الحد الأدنى من المصالح المشتركة.
والتوافق التركي-الإيراني- المصري-السعودي هو الصيغة الوحيدة التي ستنقذ وتحمي ما تبقى من شرف وكرامة الأمة بكل أطيافها الدينية والعرقية والمذهبية، التي إما أن تصحو على نفسها لآخر مرة، أو تتقبل العيش كقطعان العبيد، يذلّها اليهود الصهاينة ويستحقرونها وفق نصوصهم التوراتية وأساطيرهم التأريخية السخيفة، التي يكررونها باستمرار، ولكن هيهات، لم يستوعبها في عالمنا العربي والإسلامي الذي يعيش معظمه بعقلية القرون الوسطى، لا في السياسة فقط، بل الدين والثقافة والتفكير أيضاً.



