اراء

غزة تزرع القمح مؤمنة برحمة ربها ومطمئنة إلى غدها آمناً مشرقاً

بقلم: حماد صبح..

أحصيت في مدى ما أصل إليه في قرية وادي السلْقة وشرقي دير البلح وجنوبيها، 50 حقلاً زُرِعت قمحاً، وهي في جملتها صغيرة المساحة لصغر ملكيات الأرض في غزة، وكل يوم أسمع صوت المحاريث الآلية في جهة ما، فأقدّر أن حقلاً أو أكثر زرعت قمحاً. في السنة المنقضية، لم يزرع في القرية وجوارها سوى حقول عدة لا تربو على عدد أصابع اليد. الكثرة الكبيرة الحالية سببها توقف حرب القتل والتخريب والجنون الإسرائيلية، وإن تكن ما فتئت تطلق نسباً من قتلها وتخريبها وجنونها، وتبرع جمعيات إغاثية بالبذور للمزارعين، ورخص هذه البذور عما كانت عليه من غلاء كبير في السنة المنقضية.

زرع الحقول قمحاً أعاد إلى الطبيعة ما بارحها من صور بهائها وحيويتها، اخضرار أينما تنتقل، وأينما تنظر بثته أولى طالعات البذور، والطيور تهيم في جو الحقول أسرابا وأفرادا، وتنزل في الحقول المحروثة تلتقط طعامها من الحبوب. حرمتنا الحرب الدموية المهلكة سنتين متصلتين من مشاهد طيور الزِرْعي التي تطير في سرب موحد يضم المئات منها، وحرمنا من صدحات القبابر.

الآن كلها في أجواء الحقول وعلى ترابها. حلت أصواتها الرقيقة الساحرة في مكان دوي قذائف العدو الأثيم وأزيز رصاصه، وإن كان ما انفك يطلع علينا بها، مثلما قلت، بين حين وحين. وفي الطبيعة طيور الدوري التي تهوي على الحقول أسرابا سريعة الانقضاض، وتفر منها بذات السرعة عندما يفاجئها أي إحساس بالخطر. وفيها، الطبيعة، طير القِرْقِز، ومدلوله بالتركية “بنت الحقل”، وعادة ما يكون وحيدا، أو مع رفيق آخر أو أكثر. ولوحة الطبيعة تحوي اليمام أو الحمام البري، والحمام الأهلي الذي يحوم في جو الحقول وتحط فيها أسراب كبيرة بحثا عن طعامه بعد أن شردت حرب الإجرام والآثام أهله وحطمت بيوتهم. إجمالا يمكن القول في شيء من الحذر، إن النظام البيئي الذي أهلكته الحرب طفق يتعافى في بطء، وتوقفُ العدوان توقفا كاملا، وعودة المشردين إلى مواطنهم سيعيده إلى سالف زمنه صحة وتوازنا وجمالا.

ولكثرة زراعة القمح في الوقت الماثل سبب آخر سوى ما أسلفنا بيانه؛ هو سهولة هذه الزراعة موازنة بزراعة الخضراوات التي تتطلب سقيا متواصلا من الآبار الارتوازية التي خربها العدو، ومتابعة لنموها، ورشها بالمبيدات المقاومة للأوبئة، وهذه لا وجود لها الآن، ثم جمعها وقت نضجها مرة تلو مرة. زراعة القمح لا تكلف المزارعين هذه الأعباء الثقال. يبذرون الحب، ويسقي المطر الزرع، ويحصدونه بعد نضجه. ومطر هذه السنة سخي وافٍ، ويبشر بسخاء آت، وهذا يجعل غلة القمح وافرة سارة للمزارعين، ومعينة للاقتصاد في غزة بتوفير نسبة حسنة من هذه السلعة الاقتصادية الاستراتيجية التي يتحكم العدو في دخولها إلى غزة، ودفع هذا التحكم الظالم المستبد أهلها في الحرب إلى شفا المجاعة، بل إلى المجاعة الفعلية المميتة في عدد من المناطق، ولولا الغضب العالمي الجارف على الكيان المتوحش لنكبت غزة بمجاعة مهلكة.

وما كان هذا مستبعداً من عدونا الذي تحدث دائما قادته وأجهزة مخابراته وسائر أشراره وفجاره عن ضرورة تحديد عدد السعرات الغذائية التي يسمح لكل مواطن في غزة بها يوميا! الله -جل في علاه- قدر لكل مخلوق رزقه، وهؤلاء لفجورهم وكفورهم تقدير آخر من صنعهم ينافي ويجافي إرادته القاهرة! غباء وقسوة لا وجود لهما في عالم اليوم إلا في رؤوس وقلوب قادة ومستوطني هذا الكيان الذين يتأهب العالم لتهجيرهم كليا من منظومة قيمه وأخلاقه وإنسانيته بعد ما فعلوه في غزة من آثام وجرائم ومنكرات معادية لهذه المنظومة ومتنمرة عليها.

غزة تعود إلى الحياة، والحياة تعود إليها، وأوضح آيات هذه العودة زرعها لقمحها مؤمنة برحمة ربها ومطمئنة إلى غدها آمناً مشرقاً. هي الزراعة، أقوى آيات انتماء الإنسان للأرض حباً واستثماراً، وأولى طوالع استقراره وتحضره، وهذا لا يعلمه غزاتها وعُداة أهلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى