إيران وقدرتها على التجنيد.. استنساخ التجربة الإسرائيلية من داخل الكيان

بقلم: كيان الأسدي..
منذ سنوات طوال، تخوض إيران وإسرائيل، حربًا خفية لا تقل ضراوة عن الحروب العسكرية المعلنة، حربٌ تُدار في الظل وتُعرف بالحرب الأمنية أو الحرب الباردة الاستخبارية. هذه المواجهة لا تعتمد على الجيوش والدبابات، بل على العقول والشبكات السرية، وعلى تجنيد العملاء، وتنفيذ العمليات المعقّدة، وعمليات الاغتيال الغامضة التي غالبًا ما تُقيَّد ضد فاعل مجهول.
نجحت إسرائيل خلال السنوات الماضية في اختراق العمق الإيراني، وجنّدت عملاء داخل الأراضي الإيرانية، ونفذت سلسلة من العمليات الأمنية الحساسة، كان أبرزها اغتيال العالم النووي الإيراني الشهيد الحاج محسن فخري زاده، في عملية شكّلت ذروة العمل الاستخباري الإسرائيلي داخل إيران، ورسالة واضحة بأن المعركة انتقلت إلى قلب الخصم.
غير أن إيران، في المقابل، لم تقف موقف المتلقي، بل طوّرت أدواتها الاستخبارية واعتمدت الأسلوب نفسه، بل نجحت في استنساخ النموذج الإسرائيلي وتطبيقه داخل إسرائيل نفسها. فقد تمكنت من اختراق المجتمع الإسرائيلي وتجنيد عملاء من داخله، وصولًا إلى واحدة من أخطر عمليات التجنيد التي كُشف عنها، والمتعلقة بتجنيد شخصية يهودية إسرائيلية رفيعة المستوى شغلت منصب وزير الطاقة غونين سيغيف والذي حسب ما أعلنت عنه هيأة البث الإسرائيلية، ان لجنة مختصة طالبت الافراج المبكر عنه، فضلًا عن عشرات القضايا الأخرى التي أعلنت أجهزة الأمن الإسرائيلية عن إحباطها أو الكشف عنها.
ولم يعد الأمر مقتصرًا على تحذيرات أمنية داخلية، بل وصل إلى حدّ العلنية؛ إذ اضطر رئيس بلدية مستوطنة «بات يام» إلى نشر مقطع مصوّر على وسائل التواصل الاجتماعي، دعا فيه المستوطنين الذين يتلقون اتصالات من جهات إيرانية إلى إبلاغ أجهزة الأمن الإسرائيلية فورًا. هذه الخطوة بحد ذاتها تعكس حالة القلق المتصاعد داخل المؤسسة الإسرائيلية، وتؤكد حجم التغلغل الإيراني داخل المجتمع الإسرائيلي، ليس فقط بين العرب الفلسطينيين، بل في أوساط المستوطنين الصهاينة من جنسيات وخلفيات متعددة.
وفي السياق نفسه، أعلن جهاز «الشاباك» عن توقيف مواطن إسرائيلي كان يقوم بالتقاط صور قرب منزل الوزير السابق نفتالي بينيت. وأشار الجهاز في بيانه إلى أن الموقوف لديه سجل جنائي سابق، في دلالة واضحة على طبيعة الفئة المستهدفة بالتجنيد. فقد صرّحت أجهزة الأمن الإسرائيلية، مرارًا، بأن إيران تركّز في عملياتها على أصحاب السوابق الجنائية، مستغلة هشاشتهم الاجتماعية والاقتصادية، وقابليتهم للابتزاز أو الإغراء المالي.
ووفق ما كشفه «الشاباك»، لم تقتصر المهام الموكلة لهذا الشخص على مراقبة الأهداف السياسية، بل شملت أعمالًا تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها بالغة الخطورة في سياق العمل الاستخباري؛ من تصوير مراكز التسوق في وسط المدن، وتوثيق أسعار المنتجات داخل متاجر كبرى، إلى تصوير عملية شراء شريحة هاتف مخصصة للسياح. كما طُلب منه شراء كاميرا سيارة قادرة على التسجيل على مدار 24 ساعة، وركن السيارة بالقرب من منزل نفتالي بينيت، ثم مغادرة المكان، في سيناريو يحمل أبعادًا أمنية شديدة الحساسية. كما نشرت قناة كان العبرية، ان المتهم بالتجسس لصالح إيران، الذي صوّر منزل بينيت، التقى رئيس الأركان زامير مرات عدة، ونفّذ أعمال ترميم في مكتبه، بل ودخل وعمل أيضًا في غرفة القيادة المحصّنة في “الكرياه”.
ولم تمضِ فترة طويلة حتى أعلنت إسرائيل عن اختراق الهاتف المحمول الخاص بنفتالي بينيت من قبل قراصنة إيرانيين، حيث تمكنوا من الوصول إلى قائمة اتصالاته ومحتوى جهازه بالكامل. ووفق التسريبات، شملت هذه البيانات أسماء ومعلومات لمسؤولين أمنيين حاليين وسابقين رفيعي المستوى، وعناصر في الموساد والشاباك، وسياسيين بارزين داخل إسرائيل وخارجها، إضافة إلى مقاتلين في وحدات النخبة، وصحفيين، ودبلوماسيين، وحتى عائلات جنود مختطفين وقتلى.
إن حجم هذا الاختراق الإيراني داخل إسرائيل، والذي بلغ ذروته منذ انتهاء حرب الأيام الاثني عشر ومازال مستمرًا حتى اليوم، يكشف بوضوح أن طهران انتقلت إلى مرحلة جديدة من العمل الاستخباري، تعتمد فيها الأسلوب الإسرائيلي ذاته ولكن من داخل إسرائيل. فقد تبيّن أن البيئة الداخلية الإسرائيلية أكثر هشاشة مما كانت تتصوره مؤسساتها الأمنية، ما أتاح لإيران تحقيق نجاحات كبيرة، بل واستثنائية، وصلت إلى دوائر القرار السياسي والأمني في تل أبيب.
وفي تطور بالغ الدلالة، كشفت القناة 14 العبرية عن تصعيد جديد في الحرب السيبرانية، مؤكدة، أن هجمات الاختراق الإيرانية طالت هواتف أعضاء في الكنيست الإسرائيلي أنفسهم، في مؤشر خطير على اتساع رقعة الاستهداف ووصولها إلى قلب المؤسسة التشريعية.
إن اختراق هواتف أعضاء كنيست، إلى جانب وزراء سابقين وقادة أمنيين، لا يمثل خرقًا أمنيًا تقنيًا فحسب، بل يرقى إلى زلزال استخباري يضرب صورة “الحصانة الرقمية” التي طالما تباهت بها إسرائيل. كما يؤكد أن الحرب الاستخبارية الإيرانية لم تعد محصورة في جمع المعلومات التقليدية، بل باتت تعتمد بشكل متزايد على الفضاء السيبراني كأداة فعّالة لاختراق القرار السياسي، والتأثير في مراكز الحكم من الداخل.
وفي مقال نشرته صحيفة هارتس، منذ نحو سنتين والشاباك يجد صعوبة في منع ظاهرة وجود مئات الاسرائيليين الذين يوافقون على الاتصال مع منظمات مخابرات ايرانية، من بينهم ايضا أشخاص وافقوا على التعاون معها وخيانة إسرائيل، الى جانب نجاح الشاباك في احباط واعتقال المشتبه فيهم فانه فشل في مهمة ردع اسرائيليين عن التجسس. يبدو ان هذا هو سبب قرار الشاباك وجهاز الإعلام الوطني في مكتب رئيس الحكومة الخروج الى حملة دعاية وطنية استثنائية وغير مسبوقة، بعنوان “اموال سهلة وثمن باهظ”.
وبذلك، تتكامل حلقات المشهد: تجنيد مدنيين، اختراق جنود ووحدات عسكرية حساسة، وصولًا إلى اختراق هواتف قادة سياسيين وأعضاء كنيست، في صورة تؤكد، أن إيران تمضي بثبات في بناء معادلة استخبارية جديدة داخل إسرائيل، تُقوّض أسس الأمن الداخلي، وتكشف هشاشة المنظومة التي طالما قُدّمت على أنها عصيّة على الاختراق.



