اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

مقترح “التوازن” محاولة لإنصاف رواتب موظفي الوزارات المسحوقة

بعد طرحه على طاولة النقاشات.. هل ينفذ؟


المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
يبرز مقترح توازن الرواتب كأحد أكثر الحلول تداولاً في النقاشات الاقتصادية الحكومية مؤخراً، خصوصاً بعد إقرار الأخيرة بان السنوات المقبلة على العراق تعد أكثر حرجاً بالجانب الاقتصادي في ظل عجز الموازنة وكثرة الديون الداخلية والخارجية، ولكون هذا المقترح يمس جوهر العدالة الاجتماعية وحدود القدرة المالية للدولة في آنٍ واحد، وفي ظل واقع مالي يقيّد إمكانات التوسع في الإنفاق العام، ولا يسمح بزيادة الرواتب الدنيا بشكل مباشر، يطفو إلى السطح خيار إعادة توزيع الدخل وفق هيكلة الرواتب، عبر اقتطاع جزء من الرواتب العليا وإعادة توجيهه لدعم الشرائح ذات الدخل المحدود، بوصفه مساراً إصلاحياً قابلاً للنقاش والتنفيذ.
ويقوم هذا المقترح على مبدأ العدالة العمودية وفق المفهوم الاقتصادي العالمي، أي أن يتحمل أصحاب الدخل الأعلى جزءاً أكبر من عبء التصحيح المالي، مقابل تحسين المستوى المعيشي للشرائح ذات الدخل المحدود، هذا المفهوم معمول به في العديد من النظم الضريبية والمالية حول العالم، حيث تستخدم آليات إعادة التوزيع، للحد من الفوارق الكبيرة في الدخل، وتحقيق قدر أعلى من التوازن الاجتماعي.
وحول هذا الموضوع، يرى المهتم بالشأن الاقتصادي ضياء الشريفي في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “المشكلة الأساسية لا تكمن في انخفاض الرواتب الدنيا بحد ذاتها، بل في الفجوة الكبيرة بينها وبين الرواتب العليا، والتي نشأت نتيجة تشريعات غير متوازنة، ومخصصات غير خاضعة لمعايير الكفاءة أو الإنتاجية وانما بسبب التهور السياسي خصوصاً في فترات الانتخابات التي أتخمت دوائر الدولة بالعاملين دون تحقيق زيادة في الانتاج، مبيناً، ان هذه الفجوة أدت إلى خلق تفاوت كبير في نظام الأجور بين موظفي وزارة وأخرى”.
وأضاف، ان “خيار الاقتطاع من رواتب الدرجات العليا التي منحت على شكل هبات سياسية وفق منهج المحاصصة الحزبية وليس على قدر الكفاءة، هو الخيار الأمثل وأقل كلفة من خيار زيادة الرواتب الدنيا عبر إنفاق إضافي، مبيناً، ان الموازنة في أوضاعها الحالية، تعاني ضغوطاً كبيرة تتعلق بتقلب الإيرادات، وارتفاع النفقات التشغيلية، لذلك فإن أية زيادة شاملة في الرواتب الدنيا دون موارد مقابلة ستؤدي إما إلى عجز مالي أعلى، أو إلى تقليص الإنفاق الاستثماري، وهو ما يضر بالنمو الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل”.
في المقابل، يشير خبراء إلى أن نجاح هذا المقترح مرهون بوجود إطار قانوني واضح، يضمن العدالة والشفافية في التطبيق، فإعادة التوزيع يجب أن تكون مبنية على بيانات دقيقة، وأن تطال الرواتب والمخصصات المرتفعة بشكل عادل، دون استثناءات أو انتقائية، كما أن غياب الثقة بين الموظف والمؤسسة قد يجعل أي اقتطاع مهما كان مبرراً اقتصادياً، موضع رفض اجتماعي ما لم يرفق بخطاب صريح يوضح الأهداف والنتائج المتوقعة.
وحذر الخبراء في الوقت نفسه، من أن معالجة اختلال الرواتب عبر الاقتطاع وحده لا تكفي، فالإصلاح الحقيقي يتطلب مراجعة شاملة لنظام الأجور، وربط الرواتب بالإنتاجية والكفاءة، وإعادة هيكلة المخصصات، وإلغاء الامتيازات غير المبررة، وبدون هذه الخطوات، سيبقى أي إجراء جزئياً ومؤقتاً، وقد تعود الفجوة للاتساع مستقبلاً.
ومن جانب آخر، أكدت وزارة التخطيط، إن “تحديث البيانات واعتماد نماذج أكثر دقة، يعد خطوة أساسية لإعادة تقييم التوصيات السابقة، بما يسهم في تحقيق العدالة والتوازن في الرواتب والمخصصات بين الجهات الحكومية”.
وأضافت، أن “استكمال البيانات والمعلومات المطلوبة من قبل الجهات الحكومية المعنية، سيمكن اللجنة المختصة من تقديم مقترحات عملية ومدروسة لمراجعة هيكل الرواتب والمخصصات خلال المرحلة المقبلة”.
ويبقى تطبيق مقترح توازن الرواتب عبر اقتطاع جزء من الرواتب العالية وإضافته إلى الدنيا يمثل، خياراً ممكناً من الناحية الاقتصادية، في ظل محدودية الموازنة وعدم القدرة على التوسع بالإنفاق، إلا أن نجاحه يتوقف على حسن الإدارة، وعدالة التطبيق، ووضوح الهدف، وربطه بإصلاح أوسع لنظام الرواتب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى