قضية إقليم البصرة وأسباب المطالبة به

بقلم: الدکتور مظاهر حسن..
أصدرت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق مؤخراً بياناً بشأن تسجيل تواقيع المؤيدين لتشكيل إقليم البصرة. كما صرّح حيدر محمد، مدير مكتب انتخابات المفوضية العليا في البصرة، قائلاً: «وفقاً للمادة (2) من القانون ذي الصلة، يمكن تحريك طلب تشكيل الإقليم رسمياً عبر طريقين: الأول من خلال ما لا يقل عن ثلث أعضاء مجلس المحافظة، والثاني من خلال 10% من الناخبين المؤهلين في المحافظة. في الخطوة الأولى، يتعيّن على 2% من الناخبين المؤهلين مراجعة مكتب المفوضية وتقديم تصورهم لشكل الإقليم وحدوده الإدارية. وفي المرحلة التالية، تعلن المفوضية خلال ثلاثة أيام عن الطلبات المستلمة في وسائل الإعلام، وتستقبل المصادقات من المواطنين الآخرين لمدة لا تقل عن شهر واحد إلى أن تصل النسبة إلى 10%. وقد جرى توفير استمارات خاصة لجمع تواقيع نسبة الـ2% الأولية، وبعد تدقيق التواقيع ننتقل إلى جمع نسبة الـ10%.»
لا يمكن فهم قضية إقليم البصرة على أنها مجرد مطلب محلي أو مشروع إداري بحت. فما يتبلور في البصرة هو انعكاس مكثّف وملموس لأزمة أعمق في نموذج الحوكمة في العراق؛ أزمة يعود جذرها إلى اختلال التوازن بين الدور الاقتصادي للمحافظات المنتِجة ومكانتها في هيكل صنع القرار الوطني. وبحكم موقعها المميّز في إنتاج الثروة، وتصدير الطاقة، وربط البلاد بالمياه المفتوحة، كانت البصرة أول نقطة تتجلّى فيها هذه الأزمة بوضوح.
خلال السنوات الأخيرة، أدّى اتساع الفجوة بين الأهمية الوطنية للبصرة ومستوى معيشة سكانها إلى تآكل تدريجي للثقة الاجتماعية. فالتجربة المتكررة لفشل تقديم الخدمات العامة، ولا سيما في مجالات المياه والكهرباء والبيئة والتشغيل، دفعت شريحة واسعة من المجتمع إلى القناعة بأن المشكلة لا تكمن في ضعف الإدارات الظرفية، بل في البنية المركزية لعملية اتخاذ القرار. ومن هذا المنطلق، لا يُعدّ إقليم البصرة مطلباً طارئاً، بل نتاج تراكم طويل لإخفاقات إصلاحات جزئية.
من منظور الاقتصاد السياسي، تحتل البصرة موقعاً متناقضاً؛ إذ تسهم إسهاماً حاسماً في إنتاج الإيرادات الوطنية، لكنها تظل في عملية تخصيص الموارد وصياغة السياسات الكلية متلقّيةً للقرارات. وقد أفضى هذا الاختلال إلى تشكّل ذهنية ترى في الدولة المركزية عائقاً أمام الاستفادة من الثروة المحلية، لا شريكاً في التنمية. وتوفّر هذه الذهنية الأرضية الاجتماعية لرفع المطالب من المستوى الخدمي إلى المستوى البنيوي.
إلى جانب العامل الاقتصادي، يضاعف الموقع الجيوسياسي للبصرة من أهمية القضية. فتمركز الموانئ والبنى التحتية الحيوية للطاقة والمسارات التجارية في هذه المحافظة يجعل أي تحول سياسي أو مؤسسي فيها شأناً يتجاوز الإطار المحلي. وعليه، فإن إقليم البصرة ليس مجرد مسألة إدارية، بل ملف ذو تداعيات أمنية وإقليمية يتطلب إدارة متعددة المستويات وبقدر عالٍ من الحذر.
ويُظهر تحليل القوى الداعمة للإقليم أن منطقها أقرب إلى البراغماتية منه إلى الأيديولوجيا، ومستند إلى تجربة فشل البنية القائمة. إذ ينظر هؤلاء إلى الإقليم بوصفه أداة لتعزيز المساءلة، وتسريع اتخاذ القرار، وتمكين السيطرة المحلية على الموارد. في المقابل، يعبّر معارضو الإقليم عن مخاوف تتعلق بإضعاف التماسك الوطني، وغياب القدرات المؤسسية المحلية، وزيادة الهشاشة الأمنية. ويحتوي المنطقان على عناصر وجيهة، غير أن أياً منهما لا يستطيع بمفرده الإحاطة الكاملة بتعقيد المسألة.
أمام هذه الثنائية، تجد الحكومة المركزية نفسها عملياً أمام مجموعة من سيناريوهات القرار. فرفض الإقليم كلياً، وإن كان يحافظ على الأطر القانونية القائمة على المدى القصير، إلا أنه من دون مسار إصلاحي بديل سيؤدي إلى تفاقم السخط وتطرّف المطالب. أما القبول المتسرّع بالإقليم، وفي ظل غياب الجاهزية المؤسسية والتوافق الوطني، فيحمل خطر نقل أزمة الحوكمة من المستوى الوطني إلى المستوى المحلي.
السيناريو المفضّل يتمثل في اللامركزية المرحلية المشروطة. يسعى هذا النهج إلى الاستجابة للمطالب الحقيقية لمجتمع البصرة مع تجنّب الانزلاق إلى قرارات غير قابلة للتراجع. وتُعرَّف اللامركزية هنا لا بوصفها امتيازاً سياسياً، بل كعملية قائمة على الأداء، ترتبط كل مرحلة منها بتحقيق مؤشرات محددة.
في هذا المسار، تتمثل الخطوة الاستراتيجية الأولى في ترقية قضية البصرة إلى مستوى ملف حوكمة وطني. فطالما نُظر إلى البصرة كمسألة محلية، ستظل الاستجابات ظرفية وتفاعلية. إن رفع مستوى الملف يتيح تنسيقاً أفضل بين المؤسسات الاقتصادية والأمنية والتنفيذية، ويحول دون القرارات المجتزأة.
أما الخطوة الثانية فهي تنفيذ لامركزية حقيقية وملموسة. فالتفويض المحدود أو الرمزي للصلاحيات لا يحل المشكلة، بل يفاقم انعدام الثقة. وينبغي أن تقترن اللامركزية بصلاحيات مالية فعّالة، وتقليص سلاسل اتخاذ القرار، وتعزيز المساءلة، بما يمكّن المواطنين من ملاحظة أثرها في حياتهم اليومية.
الخطوة الثالثة تتمثل في إصلاح شفاف لنظام توزيع الإيرادات. فالفجوة بين إنتاج الثروة في البصرة وحصتها من الموارد الوطنية هي الجذر الأساسي للاستياء. ومن دون معالجة هذا الاختلال، لن يكون أي هيكل جديد—سواء في إطار الإقليم أو اللامركزية—قابلاً للاستدامة. وتشكل الشفافية المالية شرطاً لازماً لإعادة بناء الثقة الاجتماعية.
أما الخطوة الرابعة فهي اشتراط أي تحرك نحو الإقليم. فلا ينبغي اعتبار الإقليم نقطة انطلاق للإصلاح، بل نتيجة لنجاح الإصلاحات المؤسسية. إن تحديد مؤشرات أداء واضحة يتيح ضبط المخاطر والحفاظ على زمام المبادرة بيد الحكومة المركزية.
ومن جهة أخرى، تُظهر تجربة نشوء إقليم كردستان العراق أن تكوين الأقاليم لم يكن ثمرة قرار مخطط له، بل نتيجة تراكم ظروف سياسية وأمنية ومؤسسية استثنائية. فقد ترسّخ الإقليم في سياق واجهت فيه الحكومة المركزية ضعفاً شديداً في السلطة، وفراغاً أمنياً، وضغوطاً خارجية. وضمن هذا الإطار، نشأ الإقليم كحلّ اضطراري لإدارة الأزمة، لا كنموذج مثالي للحكم.
وبالمقارنة مع البصرة، تبرز فروق بنيوية مهمة؛ إذ تفتقر البصرة إلى الانسجام الهويّاتي–السياسي والظروف الأمنية الخاصة التي أسهمت في تشكيل إقليم كردستان. ومع ذلك، تكمن أوجه الشبه الأساسية في الشعور المزمن باللاعدالة وضعف استجابة الدولة المركزية. ومن هذا المنظور، تمثل تجربة إقليم كردستان، أكثر من كونها نموذجاً قابلاً للتكرار، تحذيراً استراتيجياً: إن تأجيل الإصلاحات المؤسسية قد يؤدي إلى إضفاء الشرعية على هياكل بديلة للسلطة.
وخلاصة القول، ينبغي فهم إقليم البصرة بوصفه إنذاراً مبكراً لأزمة بنيوية في حوكمة العراق. وستؤثر كيفية الاستجابة لهذا الإنذار في مستقبل الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني للبلاد. والمسار العقلاني هو إصلاح تدريجي، مضبوط، وقائم على الأداء. ولا تزال لدى الحكومة المركزية فرصة لتحويل هذا الملف من تهديد إلى فرصة، غير أن هذه الفرصة محدودة وتتطلب قراراً واعياً واستباقياً.



