الحياد في لبنان على قياس “إسرائيل”

بقلم: بثينة عليق..
تُروّج مجموعات سياسية وفئات وشرائح لبنانية في الداخل والخارج لفكرة حياد لبنان الإيجابي. وفي الآوِنة الأخيرة، قدّم رئيس حزب الكتائب، النائب سامي الجميل، اقتراح قانون إلى المجلس النيابي يهدف إلى تقنين هذا الحياد عبر تشريعات تصدر عن السلطة التشريعية. كما تقيم عدة مراكز دراسات ندوات مخصّصة للتأسيس الفكري والنظري لقضية الحياد، ومن أبرزها حلقة نقاش عقدها معهد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدولية التابع للجامعة الأميركية في بيروت، جرى خلالها التركيز على مفهوم الحياد الإيجابي.
من حيث الشكل، توحي كلمة “الحياد” بنوع من الجاذبية، ولا سيما عندما تُربط بحالة من الاستقرار والابتعاد عن المخاطر، ولذلك ليس من المستغرب أن تلقى رواجاً لدى شرائح من اللبنانيين الذين يطمحون للعيش في ظروف آمنة ومستقرة، بعيداً عن الحروب والاضطرابات.
وقبل ذلك، سعى حلفاء الغرب في لبنان، ومنذ قيام وتأسيس الكيان اللبناني، إلى جعل هذا الوطن الصغير في الجيب الغربي، وسلخه عن محيطه العربي. وفي هذا السياق، انضمّ الرئيس كميل شمعون إلى حلف بغداد عام 1958، لكنه سرعان ما اصطدم بثورة شعبية واسعة رافضة لهذا الانحياز الفاضح نحو المحور الغربي على حساب التوجّهات العربية.
غير أنّ هذه المحاولات تلاشت بقوة مع انطلاق المقاومة الوطنية والإسلامية في لبنان، ثمّ بعد اتفاق الطائف الذي كرّس موقع وهوية لبنان كجزء من امتداده التأريخي والطبيعي. الأمر الذي دفع حلفاء الغرب اللبنانيين إلى تجميل طموحاتهم ورغباتهم عبر اعتماد مصطلح “الحياد الإيجابي”، لجعله أكثر قبولاً لدى شرائح لبنانية متنوّعة.
اليوم، ومع التبدّلات والتحوّلات العميقة التي عصفت بالمنطقة بعد عامين من الحرب الإسرائيلية، برزت جملة من المتغيّرات، في مقدّمها تغيّر النظام في سوريا، وتعرّض قوى المقاومة لموجات من الضربات القاسية. وقد رأى الطرف الآخر في هذه التطوّرات عاملاً يُضعف المقاومة ويحدّ من تأثيرها في الواقع السياسي اللبناني.
فلم يتأخّر في إعادة طرح قضية “الحياد الإيجابي”، مستنداً إلى أكثرية داخل الحكومة اللبنانية، وإلى لوبي فاعل في الولايات المتحدة الأميركية، يعبّر أعضاؤه عن نواياهم بوضوح متزايد، من دون مواربة أو حرج، معلنين وجود تقاطع مصالح بينهم وبين “إسرائيل”، وعدم ممانعتهم -بل سعيهم- إلى الاستفادة من الضغط العسكري الإسرائيلي لتكريس توجّهاتهم في الداخل اللبناني.
إنّ هذا الواقع يُسقط كامل مفهوم “الحياد الإيجابي” الذي يروّج له، ليكشف أنه في الجوهر ليس سوى انحياز مقنّع لصالح واشنطن، وبالتالي لصالح “إسرائيل”، وهو انحياز يخدم المشروع الأميركي في المنطقة من دون أن يقدّم للبنان أيّ منفعة فعّلية. وبتعبير آخر، يتماهى أصحاب هذا الطرح تماهياً كاملاً مع الإرادة الأميركية من دون أيّ مقابل سياسي أو وطني.
يبدو واضحاً أنّ “إسرائيل”، لا تزال تصنّف كلّ من يحيط بها على أنه تهديد محتمل، ولا تتعامل مع محيطها بمنطق الحياد، بل وفق مقاربة أمنية صِرفة. وقد شرعت في بناء جدار على طول حدودها مع الأردن، الدولة التي وقّعت معها اتفاقية سلام وتتعاون معها أمنياً على نحو غير مسبوق.
وعلى الجبهة المصرية، تنظر “إسرائيل” بقلق شديد إلى وجود الجيش المصري في شبه جزيرة سيناء، ولا تولي أيّ اعتبار للمصالح أو الهواجس المصرية في قطاع غزة، سواء لجهة معبري رفح وفيلادلفيا، رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها القاهرة لإقفال الأنفاق بين مصر وغزة ومكافحة تهريب السلاح إلى القطاع المحاصر.
أما في لبنان، فما إن أبدى استعداده للدخول في مسار تفاوضي مع “إسرائيل”، حتى صدرت تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، التي أعلن فيها عزم “تل أبيب” تعديل اتفاقية الترسيم البحري. وفي الوقت نفسه، صرّح السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى، بأنّ مسار التفاوض مستمرّ بالتوازي مع “مسار النار”. هكذا تنظر واشنطن و”تل أبيب” إلى لبنان، حيث لا مكان فعلياً لا للحياد ولا للتفاوض، بل الاعتبار الوحيد هو للمصالح الأميركية والإسرائيلية.
أمام هذا الواقع، لا بدّ من طرح أسئلة جوهرية على دعاة “الحياد الإيجابي“:
ماذا يكسب لبنان فعلياً من هذه السياسة؟
وهل واشنطن مستعدّة، ولو بالحدّ الأدنى، لوضع أمن لبنان على قدم المساواة مع أمن “إسرائيل”؟
وهل يعترف الأميركيون، ومن خلفهم الإسرائيليون، بحقّ لبنان في بناء جيش وطني قادر على الدفاع عن أرضه وشعبه، أم أنّ الموقف الحقيقي هو ما عبّر عنه توم برّاك حين أعلن أنّ واشنطن تسلّح الجيش اللبناني ليقاتل جزءاً من شعبه؟
وهل يُسمح للبنان باستعادة أراضيه المحتلة، أم أنّ أطماع “إسرائيل” الجغرافية هي الأساس، كما تؤكّد الحالة السورية، حيث يعلن بنيامين نتنياهو بقاءه في جبل الشيخ في ظلّ صمت أميركي كامل، رغم كلّ ما قدّمه النظام السوري الجديد لواشنطن من تنازلات وخدمات؟
وهل يُسمح للبنان بالاستفادة من ثروته الغازية والنفطية، أم سيبقى ممنوعاً من استخدام موارده لإفساح المجال أمام “إسرائيل” للسيطرة على الحصة الأكبر من مخزون الغاز والنفط في شرق البحر المتوسط.
وحتى لو تجاوزنا كلّ ما سبق، يبقى السؤال الأهمّ: هل “إسرائيل” مستعدّة أصلاً لتحييد لبنان؟ فالحياد، كما تؤكّد التجارب التأريخية، لا يمكن أن يكون من طرف واحد، وإلّا فقد معناه وجدواه.
أمام هذه الوقائع، يمكن الجزم بثقة بأنّ أيّ طرح لا يقوم على تأمين مقوّمات القوة لا يعدو كونه تفريطاً بالسيادة والاستقلال والمصالح الوطنية. وإذا كان أصحاب هذا الفكر حريصين فعلاً على سيادة لبنان ومصالحه، فعليهم العمل على تأمين مكامن قوة للبنان، ما يفرض على الجميع احترام سيادة لبنان واستقلاله. أما البناء على الضعف وعلى أوهام “الحياد” فسيؤدّي إلى سلسلة من التنازلات تكرّس مصلحة “إسرائيل” على حساب مصلحة لبنان.



