اراء

السلام المفروض على غزة.. قراءة في وهم ما بعد الحرب

بقلم: شرحبيل الغريب..

ليس أخطر على غزة من وقع القنابل والصواريخ التي سقطت عليها على مدار عامين من الحرب، إلا اللغة التي يجري الحديث عنها في كلّ إطلالة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام شاشات التلفزة وافتخاره بخطّته للسلام في قطاع غزة، في وقت تتواصل فيه الاغتيالات والقتل والانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي وقّع في شرم الشيخ في تشرين الأول الماضي، بشكل شبه يومي.

فحين توقّف القصف عن غزة بشكل جزئي، بدأت حرب من نوع آخر، حرب الخرائط والمعابر وإعادة الإعمار من جهة، وحرب ما يسمّى بمجلس السلام والقوة الدولية واليوم التالي والحكم الجديد من جهة أخرى، وبين هذا وذاك تسير الأوضاع كما السلحفاة، وعود بإنهاء المعاناة ومحاولة لإعادة تدوير المشهد من جديد، أما “إسرائيل” فتعمل على إعادة فرض معادلة القوة والتفوّق العسكري ونقل نموذج لبنان إلى غزة والهدف التهرّب من استحقاقات المرحلة.

الحديث عن مجلس للسلام وقوة دولية في قطاع غزة أصبحت عناوين النقاش على المستوى الدولي يتجاوز حدودها الجغرافية الضيّقة، ومع كلّ تصريح يطلّ به الرئيس ترامب للحديث عن مجلس سلام خاصّ بقطاع غزة، يكشف فيه حجم المأزق الذي وصلت إليه المنظومة الدولية بعد حرب طويلة فشلت فيها “إسرائيل” كقوّة عسكرية في تحقيق أهدافها أو فرض حلولها بالقوة ذاتها، فاضطرّت ومعها واشنطن وعواصم عربية مؤثّرة في المنطقة للبحث عن مخارج سياسية تعيد ضبط المشهد من جديد.

أما غزة التي اعتادت الأطراف التعامل معها طيلة السنوات الماضية على أنها ملف أمني إنساني خالص، تفرض نفسها اليوم كعقدة مركزية أمام واشنطن وكلّ الأطراف الدولية المعنية، وتعيد طرح سؤال جوهري، من يملك حقّ تقرير مصيرها وبأيّ أدوات وعلى حساب من؟ كلّها أسئلة من الجدير التعمّق بها.

الخطة التي يجري الحديث عنها تقوم على أساس اتفاق انسحاب إسرائيلي من القطاع مقابل خروج حماس من السلطة بشكل كامل، وإنشاء حكم جديد تديره قوة دولية، يكون فيه الرئيس ترامب في القمّة ويضمّ معه مجلساً من دول مانحة، ويعمل تحت إمرته مجلس تنفيذي يشرف على مرحلة انتقالية، فيما تعمل داخل غزة حكومة فلسطينية من التكنوقراط.

الإعلان عن مجلس سلام لغزة كما نصّت خطة الرئيس ترامب، لا يأتي من فراغ، ولا من صحوة ضمير إنساني دولي، بل من مأزق عميق تعيشه المنظومة الدولية بأسرها، وعلى رأسها إدارة الرئيس ترامب نفسها، بعد أن فشلت آلة الحرب والإبادة في تركيع شعب أو كسر مقاومته، وبعد أن تحوّلت غزة إلى مرآة كاشفة لعجز القوة المفرطة في تحقيق الأهداف، وثبت عملياً أنّ التفوّق العسكري لن ينجح في حسم الحرب ومعه سقطت الرواية الإسرائيلية أخلاقياً أمام شعوب العالم فباتت “إسرائيل” تعيش العزلة الدولية واقعاً وحقيقة.

عامان من الحرب كانا كاشفين لتوازنات كبيرة في المنطقة، غزة فرضت على “إسرائيل” أطول حرب في تأريخها، استنزفت “جيشها” وكسرت صورة “الجيش” الذي لا يقهر، ودفعت في لحظة، حلفاءه، إلى تبريرات أخلاقية لم تعد تقنع حتى جماهيرهم، فتحوّلت غزة إلى أيقونة عالمية بالدم والتضحيات الجسام والصمود الأسطوري الكبير.

الحديث عن مجلس سلام وما فيه من تفاصيل هو محاولة أمريكية لإعادة ضبط الفشل الإسرائيلي في غزة، ومحاولة لإعادة الإمساك بالمشهد مرة أخرى بعد انفلاته في حرب باتت قبل إيقافها فاشلة بلا أفق.

الإدارة الأمريكية خلال عقود مضت رعت مشاريع سلام أكثر من مرة تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف، لا يمكن فرض تسوية بالقوة، ولا تمرير مشاريع إقليمية كبرى من دون المرور من بوابة قطاع غزة.

غزة مقبلة على مرحلة رهان وتحدٍ كبيرة، يثبت فيها الفلسطيني قدرته على فرض معادلة وطنية جامعة تمنع تحويل غزة إلى ورقة تفاوض إقليمية أو مختبر تخضع لمشاريع أمريكية ودولية فاشلة، وقد أثبتت التجربة، أنّ الشعوب التي ضحّت وتصنع ملاحم الصمود وترنو الحرية لا تهزم على طاولات التفاوض الدبلوماسية، مهما بلغت موازين القوة ومهما بدت الموازين العسكرية غير متكافئة، والتأريخ القريب أثبت أنّ الشعب الفلسطيني رغم جراحه قادر على إفشال كلّ المشاريع التي يمكن أن تسلب حقوقه باسم السلام، ولنا في التجربة الأمريكية في العراق وأفغانستان دليل كبير، وكما تفعل اليوم في محاولات إعادة تعريف فلسطين كقضية تحرّر حاضرة بقوة على الطاولة الدولية لا كملف إنساني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى