إيران في قلب الاستراتيجية الأمريكية رغم تراجع الاهتمام بالشرق الأوسط

بقلم: السيد شبل..
مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وثيقة الأمن القومي خلال الأسبوع الأول من الشهر الجاري، تبيّن أن الاستراتيجية الجديدة لا تقتصر على إعادة ترتيب الأولويات التقليدية، بل تمثّل محاولة أوسع لإعادة رسم خريطة النفوذ الدولي بما يخدم المصالح المباشرة لواشنطن.
ورغم أن معظم التحليلات انصرفت إلى قضايا الهجرة والتصدّي لعصابات تهريب المخدرات والترتيبات المتعلقة بالأحلاف العسكرية الغربية، فإن الملف الإيراني احتلّ موقعاً مهماً في الوثيقة، وإن جرى تجاهله نسبيّاً في النقاش العام. فعلى الرغم من الإشارة الصريحة إلى تراجع الاهتمام الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط، يبقى التعامل مع إيران وضمان أمن “إسرائيل” في صلب الرؤية الأمريكية تُجاه المنطقة.
محاور الوثيقة الأساسية
يمكن تلخيص أبرز محاور النقاش والتحليل حول الوثيقة في ثلاثة اتجاهات رئيسة:
أولاً: التركيز على قارة أمريكا الجنوبية، لا سيّما ما يتعلّق بتقييد الهجرة الجماعية، ومكافحة المنظمات الإجرامية العابرة للحدود، والسعي لتحويل القارة إلى فضاء أمني واقتصادي مغلق يخدم المصالح الأمريكية.
ثانياً: غياب روسيا عن صدارة التهديدات، خلافاً لتطلّعات قادة حلف شمال الأطلسي، الذين باتوا مطالبين برفع إنفاقهم الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي. بل إن الوثيقة ذهبت أبعد من ذلك، عبر الإشادة بالتوجّهات اليمينية في أوروبا، ودورها في حماية ما تسمّيه “الحضارة الغربية” من التحوّلات الديموغرافية الناتجة عن الهجرة.
ثالثاً: مطاردة الصين اقتصادياً بمختلف الأدوات المتاحة، مع التشديد على الدور العسكري في ردع أي صراع محتمل حول تايوان، وضمان المصالح الأمريكية في بحر الصين الجنوبي، الذي يمرّ عبره نحو ثلث حركة الملاحة البحرية العالمية سنويّاً، إلى جانب توسيع التعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية.
المثال العسكري الوحيد
يشكّل الملف الإيراني محوراً أساسياً في وثيقة ترامب، لكنه لم ينل ما يكفي من الاهتمام الإعلامي؛ إذ انصبّ تركيز المحلّلين السياسيين الغربيين على القضايا المتعلّقة بأوروبا و”نصف الكرة الغربي”. أمّا على المستوى العربي، فقد ساد تجاهل متعمّد، تفادياً للفت الأنظار إلى الموقع الإقليمي لإيران أو إلى حجم ما تمثّله من أهمية في الاستراتيجية الأمريكية.
ففي مقدّمة الوثيقة، وبعد سطور قليلة من خطاب “أيّها المواطنون الأمريكيون الأعزّاء”، أشار ترامب إلى عملية “مطرقة منتصف الليل”، وهي العملية العسكرية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية فجر 22 حزيران 2025 دعماً لـ”إسرائيل”، التي كانت تتعرّض لصواريخ إيرانية على مدى تسعة أيام، وردّت طهران حينها بقصف قاعدة العديد الأمريكية في قطر مساء 23 حزيران 2025.
اللافت أن هذه العملية كانت المثال العسكري الوحيد الذي استخدمه ترامب ومستشاروه للدلالة على “إنجازات” الجيش الأمريكي، وهو ما يشكّل مفتاحاً لفهم المقاربة الأمريكية للشرق الأوسط، الواردة في الصفحتين 27 و28 من الوثيقة.
كيف يرى ترامب الشرق الأوسط بعد النفط الصخري؟
لطالما شكّل الشرق الأوسط محوراً رئيساً في السياسة الخارجية الأمريكية، بفعل الاعتماد على النفط، وباعتباره ساحة مركزية للصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي خلال الحرب الباردة. غير أن وثيقة الأمن القومي الجديدة تؤكّد أن هذا الواقع تغيّر إلى حدّ بعيد.
فبحسب الوثيقة، “ولّت -لحسن الحظ- الحقبة التي كان فيها الشرق الأوسط يهيمن على السياسة الخارجية الأمريكية”.
ويشهد الاقتصاد الامريكي تحوّل جذري في سوق الطاقة العالمي. إذ ارتفع إنتاج الولايات المتحدة من النفط من نحو 5-6 ملايين برميل يوميّاً قبل عام 2010 إلى ما بين 18 و20 مليون برميل يوميّاً عام 2025، ما جعلها أكبر منتج للنفط في العالم، ومُصدّراً صافياً للطاقة.
فمع صعود النفط الصخري، تراجعت المعادلات القديمة؛ وبعدما كانت واشنطن تستورد ما بين 60 و65% من احتياجاتها النفطية، معظمها من الشرق الأوسط وفنزويلا، باتت اليوم تصدّر النفط إلى أوروبا. ومن هذا المنطلق، يرى ترامب أن تراجع الاعتماد على نفط الشرق الأوسط يبرّر انخفاض الأهمية الاستراتيجية للمنطقة.
إيران.. الخصم الذي لا يمكن تجاهله
ورغم هذا التراجع النسبي لأهمية الشرق الأوسط، تبقى إيران قضية مركزية في التفكير الاستراتيجي لإدارة ترامب. فهي، بحسب الوثيقة، “القوة الأكثر زعزعةً للاستقرار في المنطقة”، والفاعل الإقليمي الوحيد غير المنسجم مع السياسات الأمريكية، والذي يُنظر إليه باعتباره قادراً على تهديد مشروع واشنطن لهندسة وإدارة النظام العالمي.
وتتجلّى هذه النظرة بوضوح في التعهّد الأمريكي المطلق بضمان أمن “إسرائيل”، ومواجهة كل ما يهدّدها أيديولوجيّاً أو عسكريّاً، في إشارة مباشرة إلى محور المقاومة.
التطبيع وتوسيع “اتفاقيات أبراهام”.. رافعة استراتيجية أمريكية
تكشف وثيقة الأمن القومي عن توجّه إدارة ترامب نحو توسيع اتفاقيات التطبيع بين “إسرائيل” ودول عربية وإسلامية، بوصفها أداة لإحداث تغيير هيكلي في بنية العلاقات الإقليمية. فقد عبّر ترامب، في تصريحات سابقة، عن توقعه اتساع “اتفاقيات أبراهام” لتشمل دولاً عربية أخرى، معتبراً ذلك ركناً أساسياً في ما وصفه بـ”إرساء سلام طويل الأمد” في المنطقة.
في السياق نفسه، تحمل الوثيقة رسالة أمريكية إيجابية باتجاه تركيا، عبر إبراز دورها المساهم في استقرار سوريا ومنع تفاقم أزماتها ومشكلاتها المحتملة، بالتنسيق مع “إسرائيل” وبعض الدول العربية.
لكن كل ما سبق سيكون مشروطاً بـ”التعاون في مجالات المصالح المشتركة”، التي يمكن أن تُفهم على أنها:
أ- التوسّع في التطبيع مع “إسرائيل”.
ب- فتح المجال لمزيد من الاستثمارات الأمريكية، والتي تشمل قطاعات أوسع بكثير من النفط والغاز، بما في ذلك الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي وتقنيات الدفاع. واتخاذ هذا التعاون الاقتصادي، كجسر للعبور نحو مناطق أخرى بالعالم، مثل أفريقيا.
إيران في مركز الرؤية الأمريكية
في المحصلة، تكشف وثيقة الأمن القومي التي أعلنها دونالد ترامب أن الحديث عن تراجع الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط لا يعني انسحاباً استراتيجياً من المنطقة، بقدر ما يعكس إعادة تعريف لأولويات النفوذ وأدواته. فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط بوصفه مركز الثقل النفطي الذي لا غنى عنه، لكنها ما تزال تعتبره ساحة حساسة لتوازنات القوة الدولية، وفضاء لا يجوز السماح لقوى مناوئة بإعادة تشكيله خارج الإطار الأمريكي.



