قرارات تقليص الإنفاق وتعظيم الإيرادات.. هل تُطبّق على أرض الواقع؟

توجيهات حكومية متأخرة
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
عقد المجلس الوزاري للاقتصاد، اجتماعاً استثنائياً برئاسة رئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته، يوم أمس، وأسفر عن حزمة قرارات وتوصيات ركزت على تقليص الإنفاق وتعظيم الإيرادات، في خطوة تعكس بوضوح تصاعد القلق الحكومي من أوضاع مالية ضاغطة قد تتطور إلى أزمة حقيقية في قادم الأيام، هذه القرارات على أهميتها، تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية تتعلق بتوقيت اتخاذها، ومدى جديتها، وإمكانية تطبيقها فعلياً على أرض الواقع.
أولى هذه الخطوات تمثلت بتوجيه رئيس مجلس الوزراء بإجراء مراجعة عاجلة لمخصصات ورواتب الرئاسات الثلاث، والعمل على مساواة رواتب ومخصصات منتسبي رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب بمنتسبي رئاسة الوزراء، هذه الخطوة تعتبر مهمة جداً طال انتظارها من قبل الشارع العراقي، خصوصاً في ظل تصاعد الانتقادات الشعبية لارتفاع رواتب ومخصصات الدرجات العليا، مقارنة ببقية موظفي الدولة، إلا أن هذه المراجعة تبقى محدودة الأثر ما لم تمتد إلى شبكة الامتيازات الواسعة التي تتمتع بها المناصب الخاصة والهيآت المستقلة، والتي تشكل عبئاً كبيراً على الموازنة العامة.
وفي السياق نفسه، جاء التوجيه ايضاً بتحديث التقرير الخاص بتوحيد سلم الرواتب، وهو ملف مزمن طال تأجيله رغم الوعود المتكررة، إعادة إحياء هذا المشروع في هذا التوقيت توحي بأن الحكومة باتت تشعر بضيق المساحة المالية وعدم القدرة على الاستمرار في إدارة التفاوت الكبير بين رواتب الموظفين، وان تطبيق قرار توحيد سلم الرواتب، قد يسهم في تحقيق قدر من العدالة الوظيفية وتقليل الضغط على النفقات التشغيلية، لكنه في المقابل يواجه تحديات سياسية وإدارية معقدة.
أما قرار تخفيض تخصيصات الإيفاد لموظفي الدولة بنسبة 90%، فيمثل توجهاً واضحاً نحو غلق أحد أبواب الهدر المالي الذي طالما أثقل كاهل الموازنة دون مردود حقيقي، فالإيفادات الخارجية تحولت خلال السنوات الماضية إلى امتياز أكثر من كونها أداة لبناء القدرات، وكان من المفترض تنظيمها وتقليصها منذ وقت طويل، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية المتقلبة.
كما قرر المجلس تخفيض نسبة الإشراف والمراقبة للمشاريع الجديدة، بالتوازي مع وضع وتفعيل برنامج استيرادي وطني يقتصر على السلع الأساسية فقط، هذه القرارات تشير إلى محاولة للسيطرة على الإنفاق الاستثماري والحد من الاستيراد غير الضروري، بهدف الحفاظ على العملة الأجنبية وتقليل الضغط على الاحتياطي النقدي، وكذلك لغلق باب الهدر المفرط بالاستيراد.
أما في القطاع الزراعي، رفع المجلس توصية بإعادة النظر بدعم محصول الحنطة، بحيث يكون الدعم الحكومي بنسبة 170% عن سعرها في البورصة العالمية، هذا القرار يعكس استمرار سياسة الدعم الواسع لضمان الأمن الغذائي، ولكن لابد ان يرافقه إصلاح شامل لمنظومة الإنتاج الزراعي.
بينما البطاقة التموينية، الملف الأكثر تعقيداً منذ عقود، فقد تم تكليف وزير التجارة بإعادة النظر بها وإصلاحها وتوجيهها للفئات الهشة المستحقة فعلياً، هذا الملف يعد من أكثر الملفات حساسية اجتماعياً، إذ يمثل شريان دعم لملايين المواطنين، لكنه في الوقت نفسه يشكل، استنزافاً مالياً كبيراً بسبب الفساد وتسليط أشخاص غير مهنيين على هذا القطاع الحيوي المهم بسبب المحاصصة وتحويل هذه الوزارة الى مورد مالي للأحزاب الفاسدة .
وحول هذا الموضوع، يرى الخبير الاقتصادي احمد الوائلي في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “مجمل هذه التوصيات تشكل دليلاً واضحاً على أن الحكومة باتت تتعامل مع مؤشرات أزمة مالية حقيقية وليست محتملة فقط، مؤكداً، أن المشكلة لا تكمن في القرارات بحد ذاتها، بل في تأخر اتخاذها، إذ كانت التحذيرات من تضخم الإنفاق وتذبذب الإيرادات النفطية قائمة منذ سنوات، وان المعالجات المتأخرة غالباً ما تكون أكثر كلفة وأقل فاعلية.
وبين الوائلي، أن “تحويل هذه التوصيات إلى واقع ملموس يتطلب إرادة سياسية قوية وقدرة على مواجهة المصالح الحزبية، فالتجارب السابقة أثبتت، أن الكثير من القرارات الاقتصادية بقيت حبيسة الورق أو طبقت جزئياً”.
وأشار الى أن “نجاح هذه الحزمة مرهون بالشفافية، ووضع جداول زمنية واضحة للتنفيذ، وربط الإصلاح المالي بإصلاح إداري شامل، والا فإن هذه القرارات ستضاف إلى سجل طويل من الشعارات الحكومية السابقة التي لم تنجح في منع الأزمات المالية المتكررة”.



