اراء

مغامرة الاتحاد الأوروبي غير المحسوبة في الحرب الأوكرانية

بقلم: عبد الغفار سويريجي..

قرر الاتحاد الأوروبي عند اجتياح الاتحاد الروسي للجمهورية الأوكرانية، الوقوف في وجه «الغزو الروسي» بكل ما أوتي من قوة. وسخر كل إمكانياته حتى تظل شعلة الحرب موقدة. كان الاتحاد الأوروبي دائما يسعى إلى ضم أوكرانيا ومنحها عضوية حلف الناتو. اعتقد الأوروبيون وقتها أن بإمكانهم القضاء على «العدو الروسي». كانت الحرب بالنسبة لهم مناسبة لتحقيق أحلامهم في عزل روسيا وتنفيذ هجومهم الكبير على روسيا، والصين، انطلاقا من الأراضي الأوكرانية. لكن هيهات! “تجري الرياح بما لا تشتهي السفن”.

شهدت سنوات الحرب تطورات خطيرة كادت أن تحولها إلى حرب نووية لولا رباطة الجأش لدى صناع القرار في موسكو: نتذكر استهداف الزوارق غير المأهولة للسفينة الرئيسة لأسطول البحر الأسود موسكوفا، وتفجير خطوط أنابيب نورد ستريم، والهجوم المنسق مع حلف الناتو على قواعد الطيران بعيد المدى في العمق الروسي.. ذلك ما دعا بوتين إلى توجيه رسالة شديدة اللهجة إلى بعض الدول الأوروبية، مع مبعوثه الخاص صاروخ كينجال العابر للقارات.

اعتبرت حكومة بوريس جونسون، في بداية الحرب، روسيا التهديد الأكبر على أمنها وأمن أوروبا أكثر من الصين. وسعت، شأنها في ذلك شأن الأمريكيين والفرنسيين، إلى الحرب، قبل فوات الأوان. وصرفت مليارات الدولارات، ومنحت قروضا لأوكرانيا دون أن تحصل على أية ضمانات. وهو ما يطرح السؤال: كيف سيتمكن المشاركون في الحرب من استعادة ما أنفقوا «لكي تتمكن أوكرانيا من الدفاع عن نفسها والدفاع عن المدنيين والتصدي للعدوان»؟ وحده ترامب عقد صفقة حصرية مع نظيره زيلينسكي: نعني صفقة المعادن الأوكرانية النادرة، تعويضا عن تكلفة الأسلحة الأمريكية المقدمة لكييف في عهد بايدن، وذلك عملا بالمثل السائر: «كلوا واشربوا وعلى الحق تحاسبوا…”.

ما أهداف هجوم الاتحاد الأوروبي على نظيره الروسي؟

قدم الفرنسيون، من جهتهم ما يتجاوز 8.6 مليار يورو، دعما لمجهودات الحرب: منح ماكرون للكوميدي زيلينسكي خلال سنوات الحرب أسلحة ومعدات عسكرية، بالإضافة إلى دعم اقتصادي ومساعدات إنسانية.. وهو ما رسخ حالة عدم الاستقرار السياسي الذي تشهده الجمهورية الماكرونية اليوم.

اختار الإسبان منذ ما يزيد على العقدين، سياسة النأي بالنفس والبقاء بعيدا عن الحروب الأمريكية: كانت تجربة حرب العراق كافية لكي يدركوا بأن عهد الإمبراطوريات قد ولى.. ذلك ما يفسر حجم الاستثمار الإسباني الرمزي في الحرب الأمريكية- الروسية. في دعمها لمجهودات الحرب، أرسلت مدريد للرئيس الكوميدي زيلينسكي – 10 دبابات ليوبارد، و40 مركبة مدرعة و8 مدافع هاوتزر و1،370 قاذفة قنابل يدوية، فضلا عن عدد من الصواريخ المضادة للطائرات.. وقامت بتدريب ٧٠٠٠ جندي أوكراني، في إطار مهمة EUAM الأوروبية القاضية بتعزيز قدرات الأمن المدني في أوكرانيا. تُلزم عضوية الاتحاد الأوروبي كل الأعضاء المساهمة والمشاركة في قرارات الأغلبية. أنفقت مدريد دعما للمجهودات الأوروبية في الحرب نحو 4،23 مليار دولار.

تناولت المشاورات الأوروبية-الأمريكية الأخيرة عقدة المفاوضات: نعني قضية الأموال الروسية المجمدة. تنص وثيقة ترامب على إعادة إدماج روسيا في الاقتصاد العالمي، ورفع العقوبات عنها. وتطرح حلا متوازنا: «استثمار 100 مليار دولار من الأصول الروسية المجمدة في مشاريع تقودها الولايات المتحدة لإعادة إعمار أوكرانيا، على أن تحصل واشنطن على نصف الفوائد، كما ستضيف أوروبا 100 مليار دولار لتعزيز حجم الاستثمارات المتاحة، مع الإفراج عن أموالها المجمدة، أما ما تبقى من الأموال الروسية المجمدة، فسيتم استثماره في آلية أمريكية روسية منفصلة».

نستخلص من هذا البند ما يلي: استثمار ١٠٠ مليار دولار من الأصول المجمدة في مشاريع تقودها الولايات المتحدة في اعادة الاعمار، على أن تحصل واشنطن على نصف الفوائد». يوكل دونالد، حسب مضمون الوثيقة، لمجموعة البنك الدولي (الأمريكية)، مهمة الإشراف على عملية تحويل الأموال المجمدة إلى أموال سائلة قبل إرسالها لأصحابها الأصليين.

تتحدث الوثيقة عن مشاركة أوروبية في جهود اعادة الاعمار قدرها مائة مليار دولار. هل جن ترامب؟ كيف سيتدبر القادة الأوروبيون أموالا بهذا الحجم؟ هل يعقد المشاركون في الحرب، مؤتمرا جديدا لإعادة جدولة ديون أوكرانيا، وفتح مناقصات جديدة تخص إعادة الإعمار، وجمع التبرعات لفائدة «الصندوق الأوروبي لإعادة إعمار أوكرانيا»، الذي سبق أن أعلنت وزيرة التنمية الألمانية عن فتحه السنة الفائتة. هل يوجه ترامب الدعوة من جديد للإمارات العربية المتحدة والعربية السعودية بصفتهما حليفين رئيسيين من خارج حلف الناتو..؟ كم تستغرق عملية إعادة الإعمار؟ عقداً أم عقدين؟ لا أحد يعرف.

تبيح وثيقة ترامب للاتحاد الروسي استثمار قسط من أمواله المجمدة، في مشاريع إعادة الإعمار.. تحت إشراف وضمانات أمريكية. ويستثمر الإتحاد الأوروبي بدوره في كعكة إعادة الإعمار الضخمة.

يذكر أن البنك الدولي قد قدر تكلفة إعادة الإعمار والتعافي بمبلغ 486 مليار دولار. استثمارات ضخمة، وغير آمنة تنذر بحدوث أزمات جديدة وتقلبات جوهرية.. لا يهم! في وجود ترامب، لا بدَّ من وجود حل. سيدخل القادة الأوروبيون حينها حربا ضد المهاجرين والأجانب.

لم يعد الأوروبيون قادرين على مواصلة الحرب، لذلك يلعبون الآن الورقة الأخيرة: نقصد تحديدا ورقة الأموال الروسية المجمدة. في هذا الصدد، كشفت مجلة “دير شبيغل” الألمانية ما يلي: «أكد القادة الأوروبيون في ختام المحادثة، حقهم في تقرير مصير الأصول الروسية المجمدة بأنفسهم».

هل يستمر دونالد ترامب في الضغط على زيلينسكي ليقدم استقالته.. هل يمنح ماكرون اللجوء لهذا الأخير؟ هل توقف المصانع الألمانية والبريطانية صادراتها من السلاح لأوكرانيا؟ هل تتوقف الحرب؟ هل يشرف ترامب على مصالحة روسية فرنسية؟ هل يقبل فلاديمير بوتين مصافحة رئيس وزراء المملكة المتحدة؟ هل يحضر الألمان حفل التوقيع؟ ذلك ما ستكشفه الأيام القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى