اخر الأخباراوراق المراقب

بقلب سليم

مِنْ دعاءِ إبراهيمَ خليلِ اللهِ (عليه السلام) في القرآنِ الكريمِ: ﴿وَلَا تخزِنِي يَوْمَ يبعَثونَ * يَومَ لَا يَنفَعُ مَال وَلَا بَنُونَ * إِلَا مَن أَتَى اللَّهَ بِقَلْب سَلِيم﴾.

يُحدِّدُ اللهُ عزَّ وجلَّ لنا في هذهِ الآيةِ، وعلى لسانِ نبيِّه إبراهيمَ (عليه السلام)، العنوانَ المُوجِبَ للنجاةِ في يومِ القيامةِ منْ عذابِ الخِزي، ومنَ انعدامِ الزادِ في يومِ المعادِ، وهوَ أنْ يأتيَ الإنسانُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ في ذلكَ اليومِ بقلبٍ سليمٍ.

وقدْ أثبتَ اللهُ عزَّ وجلَّ استجابتَهُ لدعاءِ هذا النبيِّ العظيمِ، إذْ قالَ: ﴿وإِن مِن شِيعته لَإبراهِيم إذ جاءَ ربه بِقلب سليمٍ﴾”.

فبابُ النجاةِ هوَ أنْ يسعى العبدُ في رحلةِ حياتِهِ الدنيا ليصلَ إلى مقامِ القلبِ السليمِ، ويخرجَ منها وقدْ أحرزَ ذلكَ. والقلبُ السليمُ هوَ الذي لم يُصَبْ بآفةٍ ترتبطُ ببُعدينِ، هما العقيدةُ السليمةُ والعملُ الصالحُ، فعنْ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) وقدْ سُئِلَ: ما القلبُ السليمُ؟ قالَ: “دِينٌ بِلا شَكٍّ وهَوى‏، وعملٌ بِلا سُمعَةٍ ورِياء”.

وقِوامُ ذلكَ فعلاً هوَ التوحيدُ التامُّ للهِ عزَّ وجلَّ، الذي يظهرُ في إخلاصِ العملِ لهُ في هذهِ الدنيا، فعنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) – في قولِهِ تعالى: ﴿إلّا مَن أتَى اللَّهَ بِقَلبٍ سَليمٍ﴾: “القَلبُ السَّليمُ الذي يَلقَى‏ رَبَّهُ، وليسَ فيهِ أحَدٌ سِواهُ، وكُلُّ قَلبٍ فيهِ شِركٌ أوْ شَكٌّ فهُوَ ساقِطٌ”.

وهوَ القلبُ الذي كانَ في حِصنٍ منْ أنْ تنفُذَ إليهِ الشهواتُ فتجعلَهُ موبوءاً، فقدْ رُويَ عنِ النبيِّ عيسى (عليه السلام): “القُلوبُ ما لم تَخرِقْها الشَّهَواتُ، ويُدَنِّسْها الطَّمَعُ، ويُقْسِها النَّعيمُ، فَسوفَ تَكونُ أوعيَةً للحِكمَةِ”.

وأمّا الطُّرقُ الموجِبةُ لذلكَ، فهيَ الابتعادُ عنْ مواطنِ الشبهاتِ، والاحترازُ منَ الوقوعِ فيها، فعنِ الإمامِ الحسنِ (عليه السلام): «أسلَمُ القُلوبِ ما طَهُرَ مِنَ الشُّبُهاتِ”.

وطهارتُهُ متقوِّمةٌ بتنزيهِ القلبِ عنِ التعلّقِ بالدنيا، فعنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) في تفسيرِ القلبِ السليمِ: «هُوَ القَلبُ الذي سَلِمَ مِنْ حُبِّ الدنيا”.

وأيضاً أنْ تحكمَ علاقتَهُ بسائرِ المؤمنينَ قاعدةُ المحبّةِ لهُم، فعنِ الإمامِ عليٍّ (عليه السلام): “لا يَسلَمُ لكَ قَلبُكَ حتّى‏ تُحِبَّ للمُؤمنينَ ما تُحِبُّ لنفسِكَ”.

ولذا، كانَ الاهتمامُ المؤكَّدُ في الرواياتِ على صفاءِ النيّةِ للهِ عزَّ وجلَّ، لارتباطِها الوثيقِ بالحفاظِ على سلامةِ القلبِ، فعنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): “صاحِبُ النِّيّةِ الصادِقَةِ صاحِبُ القَلبِ السَّليمِ؛ لأنَّ سلامَةَ القَلبِ مِنْ هَواجِسِ المحذوراتِ، بتخليصِ النِّيّة للَّهِ‏ في ‏الأُمورِ كُلِّها، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى