ثقافية

واقعة الحرة.. من سجلات الإرهاب الأموي

1057علي السومري

على أثر الأخبار التي وردت إلى المدينة المنوّرة، والتي تتحدّث عن استهانة يزيد بالإسلام والمسلمين، ذهب وفد من أهل المدينة برئاسة عبد الله بن حنظلة الأنصاري، وكان شريفاً فاضلاً عابداً، مثل أبيه الصحابي الجليل غسيل الملائكة، إلى مقر الخلافة في الشام، وقابلوا يزيد واطلعواعلى أعماله، ورأوا بأعينهم ما يقوم به من تهتُك وانتهاك لحرمة الإسلام.
عاد الوفد إلى المدينة المنوّرة، ونقلوا لأهلها ما شهدوه في الشام، وأخذوا يحثّون الناس على الثورة والتمرّد، فوقف رئيسهم عبد الله بن حنظلة أمام أهل المدينة وخاطبهم “والله، ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء، إنّه رجل ينكح أمّهات الأولاد، والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة”.
اجتمع الثوّار وقرّروا محاصرة والي المدينة الأموي، وكذلك دور آل أمية الذين استنجدوا بالإمام زين العابدين (عليه السلام)، ووضعوا نساءهم وأطفالهم في بيته لحمايتهم من الأذى، ففتح الإمام لهم بيته وآواهم.
وصلت أخبار الثورة إلى مسامع يزيد، فأرسل قائداً اسمه مسلم بن عقبة لإخماد الثورة، وأوصاه بما يأتي “ادعُ القوم ثلاثاً، فإن أجابوك وإلاّ فقاتلهم، فإذا أظهرت عليهم فأبحها ـ أي مدينة الرسول( صلى الله عليه وآله) ـ ثلاثاً، فما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند”.
وصل الجيش إلى المدينة المنوّرة في الثالث عشر من محرم سنة 63 هـ، وكان ذلك بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) بسنتين.
ودار قتال عنيف بين الثوّار المدافعين عن الإسلام، وبين الجيش الأموي، استشهد خلاله أغلب المدافعين، بمن فيهم القائد عبد الله بن حنظلة. وطبقاً لأوامر يزيد أمر مسلم بن عقبة جنوده باستباحة المدينة المنوّرة، فهجموا على بيوت الناس الآمنين، وقاموا بقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وأسروا آخرين.
وروى المؤرّخون في الفضائح التي قام بها جيش مسلم بن عقبة الشيء الكثير، منها: أنّ جنوده وقعوا على النساء، حتّى قيل انّه حملت ألف إمرأة في تلك الأيام من غير زوج شرعي. وكان عدد مَن قُتل من المهاجرين والأنصار سبعمئة من الوجهاء ومن غيرهم عشرة آلاف. وحدث مرّة أن دخلت مجموعة من الجيش الشامي أحد البيوت، فلمّا لم يجدوا فيه إلّا امرأة وطفلاً، سألوها إن كان في البيت شيء ينهبونه، فقالت: إنّه ليس لديها مال، فأخذوا طفلها وضربوا رأسه بالحائط فقتلوه، بعد أن انتثر دماغه من أثر الضرب بالحائط.
ثمّ نُصب كرسي لمسلم بن عقبة، وأتوا بالأسرى، فكان يطلب إلى كل واحد منهم أن يبايع ويقول “إنّني عبد مملوك ليزيد بن معاوية، يتحكّم فيّ وفي مالي وفي أهلي ما يشاء”! وكل مَن امتنع ولم يبايع بالعبودية ليزيد، وأصرّعلى القول أنّه عبد الله تعالى قام بقتله؛ إلّا أنّه احترم الإمام زين العابدين (عليه السلام)، عندما جيء به إليه، بناءً على وصية كان قد أوصاه بها يزيد بن معاوية الذي يبدو أنّه لم يرد أن يجدّد الوقائع الأليمة، التي ظلت في أذهان المسلمين عمّا أوقعه بآل البيت (عليهم السلام) في كربلاء من القتل والأسر.
خرج جيش مسلم بن عقبة من المدينة المنوّرة محمّلاً بالغنائم، بعد أن اعتدى على أعراض النساء، متّجهاً نحو مكّة، ضارباً عرض الجدار وصية النبي (صلى الله عليه وآله) بمدينته الحبيبة، حيث قال: (مَن أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى