ثقافية

ثورة البشرات.. آخر إنتفاضات مسلمي الأندلس

1059

علي العامري

لما سقطت غرناطة بمعاهدة تسليم المعقودة بين أبي عبد الله الصغير والملكين الكاثوليكيين، واضعا بذلك نهاية للحكم الإسلامي في الأندلس الذي دام ثمانية قرون، تضمنت شروط التسليم تَعهُدَ السلطات الإسبانية باحترام عقائد وعادات المسلمين الأوروبيين في الأندلس والذين يقدرون بالملايين. وما هي إلا أيام حتى طرد المسيحيون اليهود اَلذين كانوا يعيشون في الأندلس بأمان وسلام في ظل حكم المسلمين، وأصدر الملكان الصليبان إيزابيلا وفرديناند أمراً ملكياً بتنصير كل الموريسكيين، والموريسكيون: هم المسلمون الإسبان الذين بقوا في بلادهم ظنا منهم أنهم سيلاقون المعاملة الحسنة من إخوتهم الإسبان المسيحيين المشتركين معهم في القومية.
وقد رفض الموريسكيون تغيير دين الإسلام، فحاول القساوسة في البداية أن يغروهم بالطرق السلمية لتنصيرهم، ولما رفضوا بدأ الإسبان عملياتهم القذرة والحقيرة بقتل وتعذيب المسلمين الموريسكيين، وتنصيرهم عنوة بما سمي بمحاكم التفتيش وديوان التحقيق.
وتفننت محاكم التفتيش في تعذيب وقتل المسلمين الأندلسيين رجالا ونساء وأطفالا بمباركة ومشاركة الكنيسة الكاثولية كما ذكرنا. ويقول الكولونيل الفرنسي “ليموتسكي” أحد الذين اكَتشفوا محاكم التفتيش، وهو يروي في مذكرته فظاعة ما رأى من معدّات خاصة بتعذيب المورسكيين: “ثم انتقلنا إلى غرف أخرى، فرأينا فيها ما تقشعر لهوله الأبدان، عثرنا على آلات رهيبة للتعذيب، منها آلات لتكسير العظام، وسحق الجسم البشري، كانوا يبدأون بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيا، حتى يهُشم الجسم كله، ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة، والدماء الممزوجة باللحم المفروم”.
كل هذا دفع الموريسكين لإخفاء إسلامهم وإظهار أنهم تنصروا، والواقع أن الموريسكيين لبثوا بالرغم من تنصرهم، نزولا على حكم القوة والإرهاب، مخلصين فى سرائرهم لدينهم القديم، ولم تستطع الكنيسة بالرغم من جهودها الفادحة أن تحملهم على الولاء لدين قاسوا في سبيل اعتناقه ضروباً مروعة من الآلام النفسية والاضطهاد المضنى.
ثورة البشرات
كانت ثورة البشرات نذير فورة جديدة، من هجرة الموريسكيين إلى ما وراء البحر، فجازت منهم إلى إفريقية جموع عظيمة، ولكن الكثرة الغالبة منهم بقيت في الوطن القديم، هدفاً للاضطهاد المنظم، والقمع الذريع المدني والديني، فإلى جانب الأوامر الملكية بمنع الهجرة، وحظر التصرف في الأملاك أو حمل السلاح وغيرها من القوانين المقيدة للحقوق والحريات، كان ديوان التحقيق من جانبه، يشدد الوطأة على الموريسكيين، ويرقب كل حركاتهم وسكناتهم، ويغمرهم بشكوكه وريبه، ويتخذ من أقل الأمور والمصادفات ذرائع لاتهامهم بالكفر والزيغ، ومعاقبتهم بأشد العقوبات وأبلغها.
فانتفض المسلمون الموريسكيون في جميع أنحاء الأندلس ليعلنوها ثورة ضد النصارى ، قبل أن يستخدم هؤلاء المجرمون أبشع وسائل القتل في حق الموريسكيين لإخماد انتفاضاتهم الشعبية.
محمد بن أمية أو فرناندو دي فالور
ولد محمد بن أمية سنة 1520 لأسرة مورسكية من سلالة حكام الأندلس، وكان المورسكيون يُجبرون على تعميد أبنائهم. وعمل فريناندو أو محمد بن أمية قبل حرب البشرات عضواً ببلدية غرناطة، وقيل إنه وُضع لمدة رهن الإقامة الجبرية لأنه استل خنجراً ذات يوم في مبنى البلدية.
غيّر فرناندو اسمه إلى محمد بن أمية، ليقود أروع انتفاضة عرفتها الأندلس بعد سقوطها، ليعيد توحيد صفوف المورسكيين، وليكوّن جيشا شعبياً من المدنيين المورسكيين، ويحارب به الإمبراطورية الإسبانية. ثم إنّ القوات الشعبية لمحمد بن أمية الأموي استطاعت أن تحرر مدينة “ألمرية ” ومدينة “مالقا” من أيدي النصارى الكستاليين، بعد 75 عاماً من استسلام الاندلسيين.
استطاع القائد الإسلامي محمد بن أمية أن يشعل انتفاضة إسلامية في ربوع إسبانيا سميت في التاريخ بـ”انتفاضة جبال البشرات”. والقصة بدأت عندما نقض الملك فيليب الثاني تعهداته السابقة التي قطعها على نفسه في معاهداته مع المسلمين، وأصدر مرسوماً يفرض على المورسكيين نبذ أسمائهم العربية وزيهم المورسكي التقليدي، بل ويحرم التحدث بالعربية والأمازيغية، ويجبر المسلمين على تسليم أطفالهم إلى قساوسة مسيحيين لتنشئتهم على الدين المسيحي.
أدى تصاعد الاضطهاد ضد من بقي من المورسكيين في مملكة غرناطة السابقة إلى اندلاع ثورة مسلحة خطط لها من فرج بن فرج (سليل بني الأحمر، آخر من حكموا غرناطة من المسلمين) ومحمد بن عبو (واسمه المسيحي دييغو لوبيث)، مستغلين تذمر أهل البشرات من المرسوم الأخير، ومستعينين بملوك شمال إفريقيا.
وفي ليلة عيد الميلاد سنة 1568، اجتمع سراً ممثلون عن مسلمي غرناطة والبشرات وغيرهما في وادي الإقليم وأعلنوا تبرؤهم من المسيحية وبايعوا فرناندو دي بالور ملكاً لهم، واختار اسم ابن أمية كونه ينحدر من سلالة أموية، فتلقب به. وتم ذلك تحت شجرة زيتون.
اتخذت الانتفاضة التي قادها ابن أمية شكل حرب عصابات ضد القوات القشتالية في جبال البشرات، وتزايد عدد الثوار باضطراد من أربعة آلاف رجل سنة 1569 إلى 25 ألف رجل في العام التالي، من بينهم جنود من البربر والأتراك.
فاضطر الملك الإسباني فليب الثاني أن يطلب العون من إمبراطورية النمسا لإنقاذ إسبانيا من تلك الثورة، وفعلاً استطاعت هذه القوات الإمبراطورية أن تقمع هذه الإنتفاضة الشعبية.
إغتيال محمد بن أمية
عندما قام الإسبان بمذبحة سجن غرناطة حقنوا دم والد وأخ محمد بن أمية للضغط عليه، فأرسل ابن أمية رسالة إلى خوان النمساوي يعرض فيها عليه تسليمهما له مقابل ثمانين أسيرا مسيحياً، وإلا انتقم من المسيحيين الذين تحت سلطته. فاتفق المجلس الحربي في غرناطة على عدم الإجابة، وأرغموا والد ابن أمية بالكتابة لابنه ناهياً إياه عن متابعة الثورة ونافيا أية إساءة أو تعذيب.
فاغتنم ذلك بعض المسلمين المتعاملين مع الإسبان للعمل على قتله، وعلى رأسهم دييغو الوزير أخ زوجة ابن أمية، وكانت بينه وبين ابن أمية ضغينة، فأخذوا يبثون الشك بين ابن أمية والمتطوعين القادمين من شمال إفريقيا.
فطلب ابن أمية إلى قائده محمد بن عبو ضم الأتراك إلى قوته والسير بهم إلى البنيول وانتظار أوامره. وكانت غاية إبن أمية تحرير ميناء مطريل من دون أن يتسرب خبر اتجاه قواته إليها إلى عدوه. فمر حامل الرسالة على أجيجر، فعلم دييغو الوزير منه مضمونها، فتآمر مع كاتب ابن أمية في تزوير رسالة أخرى يأمر فيها بقتل حامل الرسالة الأولى. فوصلت الرسالة المزورة إلى ابن عبو هذا الأمر، وآمن بالشائعات التي نشرها العدو حول نية ابن امية مهادنة الإسبان لتحرير والده وأخيه. واعتقد المتطوعون أن ابن أمية قد خان، فقرروا عزله وإعدامه دفاعا عن الثورة.
وسار ابن عبو والمتطوعة الأتراك إلى مقر ابن أمية في لوشر، فقبضوا عليه وواجهوه بالتهم التي يتهمونه بها، وأطلعوه على الرسالة التي بيدهم. فتبرأ ابن امية من التهم الموجهة ضده، مؤكداً لهم أن الرسالة مزورة، لكن دفاعه هذا لم يفده، فسجنوه في غرفة وكلفوا بحراسته دييغو الوزير ودييغو أركش ـ كاتبه ـ الذين قتلاه خنقًاً في ليل 20 تشرين الاول 1569.
عقب اغتيال ابن أمية بويع ابن عبو قائداً للثورة واتخذ لقب مولاي عبد الله، وبرغم أن الثوار حققوا بعض الانتصارات تحت قيادة ابن عبو، إلا أنهم سرعان ما خسروا ما كسبوه، وقُتل ابن عبو بيد بعض أتباعه في مؤامرة دبرها الإسبان في أحد كهوف البشرات في 13 آذار 1571.
بعد نجاح الإسبان في قمع الثورة سنة 1571، نُقل جميع سكان البشرات تقريباً إلى قشتالة وغرب الأندلس، وأخليت نحو 270 قرية من سكانها المسلمين، ووُطّن في بعضها مسيحيون من الشمال الإسباني بينما تُرك البعض الآخر خاوياً على عروشه. وقد ترتب على هذا التغير الديموغرافي تدمير صناعة الحرير لقرون تالية.
كما أمر فيليب الثاني بتشتيت شمل 80 ألفًا من مورسكيي غرناطة في أنحاء متفرقة من مملكته لتفتيت وحدة المجتمع الموريسكي وتسهيل دمجهم في المجتمع المسيحي، إلا أن العكس هو ما حدث، إذ كان لمورسكيي غرناطة المهجرين تأثير كبير في المورسكيين الذين سبقوهم بالتوطن الإجباري في المناطق التي نُقلوا إليها، والذين كانوا على وشك الاندماج فعلياً في تلك المجتمعات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى