كيف تصنع “إسرائيل” عصابات تُقاتل نيابة عنها؟

بقلم/ د. أميرة فؤاد النحال..
حين تسكت المدافع لا يعني أن الحرب انتهت؛ إنّما تغيّرت أدواتها، ما يحدث الآن هو محاولة لإعادة صناعة العدو داخل المجتمع ذاته، ففي لحظةٍ تركن فيها الطائرات إلى صمتٍ مفروض، لا يختفي السؤال: كيف تُحافظ سياسات الاحتلال على خطوطها الخلفية عبر أدوات محلية تبدو مستقلة؟ هذه المقالة لا تبحث عن السرد الاعتيادي لخرائط الراجمات والبنية العسكرية، إنّما عن «صناعة الفتنة» التي تُجرى خارج الرؤية الرسمية، من شبكة ميليشيات، جمعيات واجتماعات ظاهرة، وسموم افتراضية يُعاد إنتاجها لنسخ العنف بصيغة محليّة، حرب بالوكالة في زمن وقف النار.
في مرحلة ما بعد القصف، تنتقل “إسرائيل” من الاحتلال الصريح إلى ما يمكن تسميته بالاحتلال المُزوِّد؛ احتلال لا يحتل الأرض مباشرة، إنّما يزوّد غيره بالأدوات والخطابات والتمويل ليقوم بالمهمة، إنه انتقال من السيطرة العسكرية إلى هندسة الفوضى الداخلية، حيث تُصاغ ميليشيات بأسماء محلية وأهداف وطنية ظاهراً، لكنها تُدار من غرف عمليات خارجية لا ترى النور.
الوكلاء أداة الاحتلال الجديدة
منذ عقود اعتمدت “إسرائيل” على تفوّقها العسكري لفرض معادلة الردع، لكن معركة الطوفان وما تبعها من انهيارات استخباراتية جعلت “تل أبيب” تعيد التفكير في أدواتها، فحين فشلت آلة الحرب المباشرة في تحقيق أهدافها، لجأت إلى هندسة المجتمع الفلسطيني نفسه كساحةٍ بديلة للقتال، وهنا ولدت فكرة “الميليشيا الوكيلة” أداة تجمع بين الظلّ والشرعية الشكلية، لا تحمل علم الاحتلال، لكنها تنفّذ أجندته حرفياً، حيث تُثير الفتن، تبثّ الإشاعات، وتُعيد تدوير الانقسام في خطابٍ سياسيٍّ داخلي يبدو في ظاهره خلافاً وطنياً، لكنه في جوهره تمويهٌ للسيادة.
آليات الصنع: المال، الخطاب، والمنصّات
تبدأ الميليشيات بالمال، فحين تُفتح القنوات المموّهة تحت عناوين إغاثة، وتأهيل، وتنمية محلية، تكون البذرة قد زُرعت، هناك في الهامش الإنساني، تُنشأ أولى شبكات الولاء من مجموعات تتلقّى التمويل عبر واجهاتٍ مدنية ظاهرها المساعدة وباطنها الإخضاع، فيتحوّل الاحتياج إلى وسيلة استقطاب، وبهذه الصيغة تُدار الهندسة الهادئة للفوضى، الأموال تُضخّ وتُوزّع وفق خريطةٍ مرسومة بعناية على مناطق التوتر والفراغ الأمني: الشمال، وشرق مدينة غزة، ووسط خان يونس، وشرق رفح، وهي المناطق التي أشار إليها موقع هسكوفيم العبري بوصفها ساحاتٍ تنشط فيها أربع ميليشيات فلسطينية معارضة لحماس، يقودها ياسر أبو شباب، حسام الأسطل، رامي حلس، وأشرف المنسي، أسماء محلية لكن التمويل خارجي، والقرار يُطبخ في غرف استخباراتٍ تتقن العمل من وراء الستار.
لكن المال وحده لا يصنع ميليشيا؛ يحتاج إلى خطابٍ يغذّيها ويمنحها الشرعية، وهنا تدخل مرحلة تغذية الكراهية المقنّنة، عبر حملاتٍ رقمية منظمة، تُبثّ روايات تُصوّر المقاومة كمصدر للفقر والمعاناة، وتعيد تدوير مشاعر الغضب إلى اتهامات متبادلة، وفي قلب المشهد تتحرّك جيوش الحسابات الوهمية التي يديرها عملاء الاحتلال عبر شبكة “أفيخاي” الشهيرة، حسابات تحمل أسماء عائلات مقدسية أو ضفاوية معروفة، تكتب تعليقاتٍ مسيئة لأهل غزة، لتبدو الفتنة وكأنها تنبع من عمق المجتمع الفلسطيني نفسه.
النتائج المقصودة: إعادة إنتاج الهزيمة الاجتماعية
ما تبتغيه آليات التمويل والحديث والفضاء الرقمي هو إعادة كتابة معنى النصر، الفعل العسكري الذي كان يوحّد الصفّ ويعزّز الثقة بين المقاتل والمجتمع، يُستبدل بعملية متواصلة من التشكيك والتفكيك من قصص تُروى عن خيانة هنا، واتهامات بالفساد هناك، وشواهد ملفقة تُنسب للمقاومة تجعل من الإنجاز عبئاً يوجب التبرير بدلاً من أن يكون سبباً للفخر، هكذا تُفقد الانتصارات طاقتها الاسترجاعية، ويصير المجتمع أقل قدرة على تحويل المكسب العسكري إلى زخم سياسي واجتماعي مستدام.
دور المقاومة.. الردع الذكي والضرب من حديد
حين تشتعل حرب الوكلاء التي يُديرها الاحتلال عبر أدواته المحلية لا تكفي البندقية وحدها، فالمعركة الجديدة تُخاض في الوعي الذي يشكّل مناعة المجتمع، هنا تدرك المقاومة أن الردع أصبح معرفياً وذكاءً سيادياً يتقن تفكيك الشبكات قبل أن تُصبح تهديداً ميدانياً، فالمعركة المقبلة هي ضد ميليشيا تحمل فكرةٍ تُساق بعبارات وطنية لتخترق الصف الوطني من الداخل.
الردع الذكي يبدأ من الفضح الاستباقي، أي كشف الخيوط الخفية لهذه الشبكات أمام الرأي العام، ووضعها تحت ضوء الحقيقة قبل أن تُنتج سرديتها الخاصة، حين تُعلن المقاومة عن مصادر التمويل، وأسماء الوسطاء، وأنماط الاختراق النفسي والإعلامي، هذه الخطوة تُسقط عن الميليشيات أقنعة الوطنية، وتحوّلها من جماعات تحمل خطاباً جذاباً إلى أدوات مكشوفة تعمل في سياقٍ استعماريّ مموه.
أما الضرب من حديد، فهو يُمثل هندسة ردعٍ دقيقة، فحين تُواجه المقاومة أي يد تعبث بالصف الوطني، عليها أن تجمع بين الردع الأمني والقانوني والإعلامي في معادلةٍ واحدة:
أمنيّاً: عبر ملاحقة القيادات الميدانية المتورطة في الارتباط المباشر بالاحتلال.
قانونيّاً: بتجريم أي نشاط يمسّ البنية الاجتماعية أو يحرّض على الفتنة.
وإعلاميّاً: بكسر الروايات التي تُغذّي الانقسام، وتجريدها من مشروعيتها الأخلاقية أمام الجماهير.
المقاومة اليوم أمام اختبار الوعي لا السلاح، بأن تثبت أن النصر لا يُقاس بعدد الصواريخ، إنّما بقدرتها على حماية النسيج الوطني من التفتت، وأن تردّ على حرب الوكلاء بحرب الوعي، حربٍ تُخاض بالكلمة الصادقة كما تُخاض بالرصاصة الدقيقة.
فحين تضرب المقاومة من حديدٍ وبوعيٍ معاً، تُفشل مشروع الاحتلال في تحويل النصر إلى فتنة، وتثبت أن المعركة الكبرى هي لتحرير الأرض وتحرير الوعي من وكلاء الهزيمة.



