اخر الأخبارثقافية

“مخطوطة فيصل الثالث” رواية تتمازج فيها الحقائق التأريخية مع الأوهام

 تكشف عن الهيمنة الثقافية لقوى الاحتلال

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

‏بعد أن صدرت منذ أشهر ،يقيم نادي السرد في الاتحاد العام للأدباء والكتاب جلسة احتفاء برواية (مخطوطة فيصل الثالث) للروائي محمد غازي الأخرس في الساعة الحادية عشرة من صباح السبت المقبل على قاعة الجواهري في اتحاد الأدباء وسيدير الجلسة الروائي خضير فليح الزيدي.

الناقد علي كاظم داود كتب عنها قراءة نقدية خص بها ” المراقب العراقي” يقول فيها: في رواية “مخطوطة فيصل الثالث”، يقدّم الكاتب محمد غازي الأخرس تجربة سردية فريدة تتقاطع فيها وقائع الماضي، مع الاحتمالات المهملة، وتتمازج فيها الحقائق التأريخية مع الأوهام التي ربما راودت المخيَّلة الجمعية ذات يوم. لا تسعى الرواية إلى استعادة التأريخ، كما هو مُدوَّن في الكتب والوثائق الرسمية، بل تنبش في مساراته غير المتحققة، في محاولة جريئة لتخيُّل مآلات أخرى، كان من الممكن أن تكون، لو لم تنتهِ الأمور كما انتهت إليه في الواقع”.

وأضاف: إن”الرواية تنتهي إلى فرضية مخالفة للمعروف، مُفادها: ماذا لو أن الملك فيصل الثاني، الذي قُتل في قصر الرحاب عام 1958، قد ترك من يخلفه في الحكم؟ من هذه الزاوية المغايرة، تنطلق الرواية لتنسج عالماً متخيلاً، يكون فيه للملك وريث يُدعى فيصل الثالث، أي أنه نصّب ولياً للعهد بعده، وهو شخصية غرائبية تبدأ من قاع المجتمع، وتنتقل إلى مركز السلطة، حاملةً معها سمات الغرابة والتمرد والتأريخ المسكوت عنه”.

وتابع داود إن”الرواية تعتمد على مجموعة من الوثائق والمخطوطات المفترضة، التي تُنسب إلى ولي العهد المزعوم، فيصل الثالث، وتُروى من وجهة نظره، أو من وجهة نظر أشخاص هامشيين ارتبطت مصائرهم بتقلبات الحكم الملكي وبذلك، تنقلب الرواية إلى ما يشبه أرشيفاً سرديّاً موازياً، يعيد كتابة الماضي من وجهة نظر المستبعدين والمغيبين، ويطعن، بشكل ساخر، في مصداقية التأريخ الرسمي”.

وأوضح “في مستهل الرواية، يَظهر تنبيه واضح للقارئ بأن ما سيقرأه مزيج من الواقع والخيال، وأن الأحداث والشخصيات التي ستصادفه فيها بعضها مأخوذ من التأريخ الحقيقي، وبعضها الآخر من إبداع الخيال. هذا التمهيد لا يحاول إقناع القارئ بواقعية ما سيُروى، بل يوجّهه إلى أن يتعامل مع الرواية بوصفها مجالاً للتفكير الجاد في البدائل التأريخية، لا بوصفها وثيقة أو شهادة.

وبين : أن” تأريخ الرواية البديل يمتد ليشمل أحداثاً حقيقية، مثل الانقلاب الذي أطاح بالحكم الملكي، ومصرع العائلة المالكة، لكنه يُروى هنا من منظور مخالف تماماً للسرد الرسمي. فتُسلط الرواية الضوء على بشاعة ما حدث، لا بوصفه ثورةً أو انتصاراً، بل بوصفه لحظة دموية مفصلية، تؤسس للانحدار من حلم مدني إلى كابوس فوضوي. في هذا التصوير، تفقد الثورة بطولتها المزعومة، وتتحول إلى مذبحة، لا تختلف عن النكوص في سلم الحضارة، في استدعاء ضمني لما وصفه بعض الفلاسفة بأن كل وثيقة حضارية هي أيضاً شهادة على الهمجية”.

واشار داود الى أن” الرواية لا تتوقف عند مجرد إعادة سرد الأحداث من وجهة نظر مختلفة، بل تسعى إلى تعرية الهيمنة الثقافية التي مارستها قوى الاحتلال، سواء من خلال تنصيب الملوك أو صناعة شرعياتهم الرمزية. فتشير إلى الدور البريطاني في تتويج فيصل الأول، لا بوصفه اختياراً شعبياً، بل نتيجة مخطط محكم، اشتركت فيه نخبة من الضباط والمسؤولين الإنجليز، الذين استثمروا في الولاءات المحلية، وكسبوا شيوخ العشائر والنخب الثقافية لصناعة ملكية تبدو شرعية في ظاهرها، بينما هي، في جوهرها، امتداد لسلطة استعمارية مقنّعة”.

وواصل”لا يغيب عن الرواية نقدها لبلاغة السلطة، المتمثلة في خطاب الملك ذاته، الذي يُصوَّر في الرواية بشيء من المثالية الإنسانية، لكنه يُساءل ضمنيّاً، حين يُفهم أن هذه النزاهة الظاهرية قد لا تكون سوى وسيلة لتبرير سلطة فُرضت من الخارج. يتحدث الملك عن نفسه باعتباره عاشقاً للحرية، وزاهداً في الحكم، لكنه في الواقع قد مارس السلطة فعلياً، وجاء بها بدعم استعماري مباشر وهذه المفارقة تكشف عن تناقض خطاب السلطة، وعن محاولته بناء شرعية تستند إلى الفضائل الشخصية، لا إلى التمثيل الشعبي”.

وأكمل : أن”الرواية تتخذ من العلاقة بين المركز والهامش محوراً أساسياً، وتعيد ترتيب الأدوار في لحظة مفصلية، عندما يتزوج هوش، السائس الغريب، من لبابة، وهي ربيبة الملك فيصل الأول. هذا الارتباط الطبقي الخارق للعادة يعكس انقلاباً رمزياً على منطق النسب، ويقترح شكلاً جديداً من التوارث السياسي، يستند إلى الكفاءة والشرعية الرمزية، لا إلى النسب والدم. ولعل تتويج عجيل ولياً للعهد تحت اسم (فيصل الثالث)، يشكل لحظة الذروة في هذا التأريخ البديل، إذ نشهد صعود المهمّش إلى رأس الهرم السياسي، ومنحه التاج الملكي بوصفه حقاً رمزياً واستحقاقاً طبيعياً”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى