ترامب وباغرام.. صراع الهيمنة المتجدد بين واشنطن وبكين

بقلم: مهدي مبارك عبد الله..
سنقدم في هذا المقال، ما أمكن من تحليل سياسي دقيق، حول الدوافع الاستراتيجية والرسائل الجيوسياسية ومآلات الصراع المحتملة، سيما وإن عودة الحديث عن هذه القاعدة الحيوية ليس حدثاً عابراً بل إشارة إلى محاولة ترامب، إعادة رسم موازين القوى في قلب منطقة آسيا ذات الأهمية البالغة.
بعد مرور أربع سنوات على الانسحاب الأمريكي والفوضوي من أفغانستان في صيف عام 2021 الذي وُصف حينها بأنه أحد أسوأ حالات الهزيمة والتقهقر في التأريخ العسكري الأمريكي، تعود قاعدة باغرام الجوية لتتصدر عناوين السياسة الخارجية الأمريكية مجدداً، لكن هذه المرة ليس في سياق دفاعي أو إنساني بل ضمن خطاب ناري أطلقه الرئيس الأمريكي المتهور دونالد ترامب، معلناً بشكل صريح، أن إدارته تعمل على استعادة قاعدة باغرام التي قال إنها سُلّمت مجاناً لطالبان، فيما بدا أنه تصعيد سياسي ورسالة قوية باتجاه أطراف دولية وإقليمية عدة.
تصريحات ترامب لم تأتِ من فراغ، فالرجل الذي بنى حملاته الانتخابية ومشروعه السياسي على مفاهيم الهيبة والهيمنة والسيطرة واستعادة المجد الأمريكي، لا يرى في الانسحاب من باغرام، إلا خطأ تكتيكياً ارتكبه خصومه الديمقراطيون، بل وصمة عار يجب تصحيحها وتصويب مسارها، ولو بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، في المقابل، فإن قاعدة باغرام ليست مجرد منشأة عسكرية خرجت منها القوات الأمريكية بل هي رمز تأريخي يختزن الكثير من أرشيف تدخلات واشنطن في آسيا الوسطى وتحديداً في بلد وصفه العديد من الساسة الأمريكيين يوماً بأنه مقبرة الإمبراطوريات العالمية.
خلال مؤتمر صحفي عقد في 19/9/2025 مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أطلق ترامب أول تصريحاته العلنية عن باغرام، قبل أن يصعّد لهجته سريعاً على منصته تروث سوشيال، مهدداً بأنه في حال رفض طالبان إعادة القاعدة سيحدث أمر سيئ، ما عدّه مراقبون ليس فقط تهديداً لكابول بل رسالة مبطنة أيضاً للصين التي أصبحت اللاعب الأكثر نفوذاً في جوار أفغانستان.
جمهورية الصين الشعبية من وجهة نظر إدارة ترامب، تعتبر المستفيد الأول من انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان ليس فقط بسبب الفراغ الأمني الذي سمح لها بالتوغل اقتصادياً وسياسياً بل أيضاً بسبب قربها الجغرافي من قاعدة باغرام ومن مناطق إنتاج السلاح النووي الصيني حيث لا تبعد سوى نحو ثمانمائة كيلومتر، وبهذا المعنى، فإن استعادة باغرام لم تعد مسألة متعلقة بأفغانستان فحسب بل بميزان الردع الاستراتيجي بين واشنطن وبكين، وهو ما أكده ترامب حين وصف القاعدة بأنها على بُعد ساعة فقط من أهم منشآت الصين النووية.
لكن السؤال المهم، لماذا الآن، ولماذا يفتح ترامب هذا الملف في توقيت حساس جداً يشهد اضطرابات إقليمية في أوكرانيا والشرق الأوسط وتصاعداً في الخطاب القومي داخل الصين؟، يبدو أن ترامب يحاول من خلال هذه المطالبة إحياء رمزية القيادة الأمريكية التي تراجعت قوتها وهيبتها ومكانتها بعد الانسحاب الفوضوي من أفغانستان وأيضاً لتأكيد عودة العقيدة الترامبية التي ترى في الهيمنة العسكرية وسيلة لفرض النفوذ السياسي ومن جهة أخرى قد تكون هذه الورقة أداة تفاوضية بحتة، خاصة أن إدارة ترامب معروفة باستخدامها لسياسة الحافة، أي رفع سقف المطالب إلى أقصاه ثم التراجع تدريجياً مقابل مكاسب جزئية، لكنها مهمة.
في المقابل، فإن حركة طالبان التي بنت شرعيتها على فكرة مقاومة الاحتلال الأجنبي، لا تبدو في وارد التنازل عن شبر واحد من قاعدة باغرام، وقد جاء ردها حازماً من خلال تصريح نائب المتحدث باسمها حمد الله فطرت الذي اعتبر أن مطالب ترامب تنتهك اتفاق الدوحة الموقع عام 2020 والذي نص على احترام وحدة الأراضي الأفغانية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، كما أن طالبان تعلم جيداً أن أية خطوة في اتجاه القبول بهذه المطالب ستفجر صراعات داخلية قد تؤدي إلى تفكك الحركة أو انقسامها وهو ما يجعلها متمسكة حرفياً بموقفها الرافض تماماً لإعادة القاعدة للولايات المتحدة.
وبالعودة إلى الصين نلاحظ أنها تتوخى الحذر الشديد في تعاملها مع الملف الأفغاني، لأن عودة الأمريكيين إلى قلب آسيا الوسطى تعني، تهديداً مباشراً لمبادرة الحزام والطريق ولتوازناتها في بحر الصين الجنوبي وآسيا عموماً ولذلك جاء رد الخارجية الصينية ليؤكد، أن شعب أفغانستان وحده من يقرر مستقبله ويتخذ قراراته في رسالة واضحة بأن بكين لن تقف متفرجة على أية إعادة انتشار أمريكي مؤثر في خاصرتها الغربية، وفي هذا السياق، فإن روسيا وإيران أيضاً تنظران بقلق بالغ إلى أية محاولة لإحياء الوجود الأمريكي في أفغانستان باعتبارها خطوة تعيد تموضع واشنطن في تخومهما الجنوبية، مما قد يخلق جبهة ضغط جديدة على مصالحهما في آسيا الوسطى والخليج.
في ضوء ما سبق، يمكن القول، إن ملف باغرام ليس سوى مؤشر مبكر لتحول استراتيجي أوسع في بنية الصراع الدولي، فالتحليل العميق للمشهد يظهر بوضوح أن هذه القاعدة قد لا تكون إلا رأس جبل الجليد في بداية تحولات أوسع قادمة سيما وأن الصراع الأمريكي الصيني يدخل اليوم مرحلة المواجهة غير المباشرة عبر أدوات ناعمة وقواعد استراتيجية ومحاور جغرافية بديلة وأفغانستان، بما تحمله من موقع وميراث وحجم فراغ كبير، تبدو أحد أبرز مسارح هذه المواجهة المقبلة وهي إشارة إلى أن واشنطن بدأت تعود تدريجياً إلى استخدام القواعد العسكرية كأداة نفوذ مباشر، بعد أن اعتمدت لسنوات على الحروب بالوكالة والعقوبات الاقتصادية في إدارة صراعاتها الخارجية.



