اراء

نتنياهو في الأمم المتحدة.. وأمريكا وحدها تصفق

بقلم: شاهر الشاهر..

بينما كان نتنياهو يستعد لإلقاء خطابه في الأمم المتحدة، غادرت القاعة وفود 77 دولة، بينها وفود الدول العربية الأربع المحيطة بـ”إسرائيل”، وهو ما جعل هذا الخطاب محط اهتمام الصحافة الدولية، لا بسبب محتواه، بل نتيجة العدد الكبير من الانسحابات التي رافقته، والتي عكست حالة العزلة التي باتت تعيشها “إسرائيل“.

خلال كلمته، كانت قاعة الجمعية العامة شبه فارغة، بعد انسحاب وفود دول إسلامية وأفريقية وأميركية لاتينية وحتى أوروبية، في حين اكتفى العشرات من أنصار نتنياهو بالتصفيق له من الشرفة.

بينما كانت وفود العالم تغادر كانت أميركا وحدها تصفق لنتنياهو، في مشهد يلخص العزلة الأخلاقية للكيان وداعميه، إذ انبرى ترامب للدفاع عنه متهماً المُنادين بالاعتراف بالدولة الفلسطينية أنهم يبدون وكأنهم يدعمون الإرهاب، عبر مكافأتهم حركة حماس على ما أقدمت عليه.

انحسار الدعم الأوروبي للكيان بات واضحاً، بل تحوّل إلى حالة من الهجوم الدبلوماسي عليه، بالتزامن مع ما تقوم به العديد من دول أميركا اللاتينية في سعيها لمحاصرته وتعريته أمام المجتمع الدولي.

ما تريده الولايات المتحدة هو الحل، بغض النظر عن طبيعة هذا الحل ولمصلحة من سيكون، فهي ليست معنية بالضغط على طرف دون آخر، إلا إذا رأت أن احتمالات نجاحها في ممارسة مثل هذا الضغط سوف تكون كبيرة.

ما قام به الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو خلال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة سيخلده التأريخ، وسيضعه في مستوى العظماء من قادة العالم أمثال فيدال كاسترو وشي غيفارا  وغيرهما.

خطاب مكرر وفارغ..

رأت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أن خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كان “مكرراً وفارغاً من أي رسائل جديدة”، معتبرة أنه أثبت مجدداً “أن نتنياهو لا يملك ما يقدمه للعالم، وأنه يعتمد بشكل مطلق على الرئيس ترامب.

سعى نتنياهو لأن يكون خطابه موجهاً إلى الجمهور الصهيوني أيضاً، لتعزيز الشعور بالأمن والعدالة، ولجمع الدعم للحكومة أمام الانتقادات الداخلية والخارجية، مع التركيز على أن الكيان الصهيوني في موضع دفاع عن نفسه، وأن ما يقوم به يُعد “أمراً لا مفر منه“.

تبنى نتنياهو موقفًا يدافع فيه عن سياسات حكومته المتشددة، خصوصًا فيما يتعلق بغزة، حيث أعرب عن إصراره على استكمال العمليات العسكرية ضد حماس، مشيرًا إلى ضرورة “إنهاء المهمة”، ما يعكس تصميمه على المضي قدمًا بغض النظر عن الضغوط الدولية.

كما اتهم دول الغرب والدول التي اعترفت بالقضية الفلسطينية بأنها تشجع الإرهاب، وحمّل المعارضين الدوليين مسؤولية التهاون أو التواطؤ، كما وصف بعض الانتقادات الموجهة إلى حكومته بأنها معادية للسامية، أو محاولات لنشر الأكاذيب ضد كيانه المزعوم.

ركز نتنياهو على قضية الرهائن مؤكداً أن حكومته ملتزمة بإعادتهم، وأن العمليات مستمرة حتى يُفرج عنهم جميعاً، وهي محاولة لإضافة البعد الإنساني في الخطاب من أجل ممارسة الضغط على الرأي العام الدولي.

أبرز ما أثار الجدل كان “الباركود” المثبت على ياقة بدلته، والذي يقود إلى مسح صور جثث إسرائيليين قتلوا، بمعنى أنه حوّل جسده إلى “معرض فظائع” أمام العالم.

وتجدر الإشارة إلى أن خطاب نتنياهو يسهم بزيادة التوتر مع المؤسسات الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة، وقد ينعكس ذلك على مواقف الدول الغربية تجاه قضايا محورية كمسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، أو اتخاذ قرارات بشأن فرض عقوبات أو تبني مواقف دبلوماسية معارضة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لمثل هذا الخطاب أن يؤدي إلى تعزيز حالة العزلة الدولية، خاصة إذا لم تقدم الحكومة الإسرائيلية خطوات عملية تتسم بالطابع التفاوضي أو تركز على البعد الإنساني بشكل ملموس.

الاعتراف الغربي بدولة فلسطين..

في سياق قرار بعض الدول الغربية الاعتراف المفاجئ بالدولة الفلسطينية، وربطه مباشرة بحل الدولتين، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:

الاعتراف الغربي لا يجعل فلسطين دولة مستقلة على أرض الواقع ما دام الاحتلال مستمراً، لكنه يُسهم بتعزيز الشرعية الدولية ويُضيف إلى الفلسطينيين نفوذًا أكبر داخل المؤسسات الدولية.

تعاني دول الغرب، وخاصة أوروبا، من ضغط شعبي وإعلامي غير مسبوق نتيجة التكلفة الإنسانية للعدوان الوحشي على غزة. هذا الواقع جعل الدعم غير المشروط للموقف الصهيوني تحديًا مكلفًا سياسيًا وأخلاقيًا للحكومات الغربية أمام شعوبها. في هذا السياق، يبدو أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يأتي كخطوة تهدف إلى تهدئة غضب الرأي العام وإبراز صورة من التوازن.

الغرب يسعى لإحياء مسار سياسي متوقف منذ سنوات، إذ يبدو أن الخيار الواقعي الآخر هو استمرار حرب طويلة الأمد تهدد مصالحه في الشرق الأوسط. هذا يأتي في سياق تغيرات جيوستراتيجية ملحوظة، مثل تراجع الهيمنة الأميركية وبروز أدوار متزايدة لكل من الصين وروسيا.

يُحتمل أن يكون هذا الاعتراف جزءًا من استراتيجية غربية أوسع تهدف إلى إعادة التموضع في سياق العلاقات مع العالمين العربي والإسلامي، وذلك بهدف الحد من توسع النفوذ الصيني والروسي في المنطقة.

حملة الاعتراف الأوروبي تهدف بشكل أساسي إلى إيصال رسالة واضحة إلى واشنطن مُفادها أن أوروبا لم تعد مستعدة للامتثال الكامل لأية سياسات أميركية منحازة إلى الكيان الصهيوني. يأتي ذلك خصوصًا بعد تراجع الثقة الأوروبية في قدرة الولايات المتحدة على لعب دور الضامن للاستقرار.

خطاب نتنياهو لم يكن مقنعاً في محتواه، والذي استمر 41 دقيقة من الكذب وتزييف الحقائق.  واستهدف جمهورَينِ أساسيَّينِ: القاعدة اليمينية داخل الكيان التي ستُنتج مقاطع دعائية تُظهر بث خطابه في غزة، والجمهور الأميركي وعلى رأسه الرئيس ترامب، بمعنى أنه لم يقدم أي جديد، ولا يملك خطاباً للحوار مع العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى