أزمة الشرعية في النظام الرسمي العربي.. لبنان أنموذجا

بقلم: د. بلال اللقيس..
لبنان أنموذجًا لمن يأخذ بفرضية العقد الاجتماعي لتفسير الاجتماع السياسي، فإن العقد يبطل ما لم يكن بين أحرار. بالنسبة لـ” لوك ورسو” السلطة تكون طرفا في العقد فلا يكون العقد ناجزا إذا لم تكن حرة. كيف بنا إذا كانت ممثلة أمينة لمصالح وأولويات الخارج !!
الطامة أن سلطاتنا تفتقر لأيّ من مصادر الشرعية. فلا شرعية الكاريزما كزمن القوميات والعروبة مع عبد الناصر ولا شرعية الإنجازات والنجاحات لحساب المجتمع والامة وتحقيق انتصارات الشعوب وحتى شرعية الحكم التقليدية القائمة على القبيلة والسلالة كما في الخليج مثلا فهي في تراجع.
ولا على شرعية دستورية يتقاسم فيها الشعب الثروة والسلطة مع الحاكم، فالعدالة مفقودة باحتكار الثروة عند أوليغاركية وجزر خاصةً اما المشاركة السياسية فشبه منعدمة او شكلية في غالبية ساحقة من دولنا بل ان السلطات دأبت على إبعاد المجتمع عن السياسة وتفكيك وتجزئة الفضاء العام. إذ إنَّ مصادر الشرعية للسلطة غير متوافرة في تجربتنا العربية الحاضرة والعقد مفقود بغياب سلطات حرة .
في بلد كلبنان، لا تقوم السلطة بمسؤولياتها بل لا تقوم بأول مسؤولياتها الحماية او الحراسة كما كان يقول هوبز ولديها من “الجرأة” ان تطلب من شعبها تحديد مهلة لإيقاف دفاعه عن نفسه وبلا اي ضمانة علما ان الشعب محتلة ارضه يُماري عليه العدوان يوميا من عدو اقر الدستور اللبناني بعداوته، ناهيك انه عدو الامة . المفارقة ان الحكومة تطالب شعبها بدل ان تتحمل مسؤولية امام شعبها وتجيبه عن أسئلته او كأنها غير معنية بالإجابة عن سؤال السيادة الذي انعقدت شرعية استمرارها عليه.
وللسائل ان يسأل؛ هل يصح العقد بينما الارض محتلة او مع حكومة ملتزمة او منصاعة لاجندة خارجية أمريكية وهل للمواطن اللبناني ان يقبل بها ام يتجاهلها ويتجاهل قرارتها السيادية الطابع (فالمواطن الفرنسي الحقيقي والمُكرم هو ذاك الذي قاوم المحتل رافضا قرارات حكومة فيشي الملتزمة بأجندة النازية وليس الخاضع لسلطة المحتل حتى لو كانت الأكثرية مع حكومة المحتل).
وفقا للعقد الاجتماعي فانّ السلطة مقيدة بالدستور والمشروعية وإذا ما أخلت بحرية المواطن وملكيته كما يذهب “جون لوك” فيجب مواجهتها وإسقاطها، لكن كيف بها لو أخلت بحرية ومستقبل اكثر من نصف المجتمع كما هو حاصل اليوم في لبنان. لكن ما هو المخرج المعقول؟ فعندما تغيب غياب عناصر الشرعية للسلطة والحكم فقد لا يوجد إلا الحوار وإنتاج لغة الحوار مدخلا لادارة المرحلة الانتقالية التي تمر بها المنطقة والعالم ودولنا. نعم!! ان تنتج السلطة “الحوار” بمنهج علمي ومسؤول بما يمكن هذه المجتمعات القلقة من العبور الامن نسبيا في زمن تغيير الخرائط .
فهذا قد يكون المرجع الوحيد الذي يمكن ان نوفره الان ولا يوجد بين أيدينا مسند آخر غيره ومرتكز، فمع الحوار وبه يمكن أن نؤسس لعبور باقل كلفة كما نوهنا وربما نستكشف روية اجتماعية جديدة لمجتمعاتنا. والحوار إذا لم يكن في اللحظات الحرجة فمتى يكون!! لكنّ شرط نجاحنا في انتاج لغة حوار هو ان لا تنظر الحكومة لنفسها كند للشعب كما هو حالنا في لبنان وعموم واقعنا العربي (تشعر انك امام ندّين متنافرين)، الحكومة هي ذلك التجسيد الخلاق لمسار الاجتماع الانساني ودرجة متقدمة من العقلانية والتعبير عن الارادة العامة، والأخيرة ليست حسبة عددية ولا مزاج شعبي في لحظة ضغط بل هي فهم شامل لمعنى الارادة الشعبية الذاتية واتجاهاتها وثقافتها واستثمار لتقاطعاته بما يعزز كلمته ومكانته . ان اهل الحكم في بلادنا كخائف يترقب شعبه.
انهم يفتقرون القدرة على الإجابة كونهم لا يملكون الإحاطة ولا عقلانية المؤسسة ولا المعرفة اي لا يملكون السلطة، فالسلطة تتأتى عندما يشعر الشعب وتشعر الحكومة بالرضى او السير لتحقيق الرضى المتقابل للتطلعات والتوقعات المتبادلة وصولا للتطابق ان امكن، لا أن ينظر الشعب اليها باعتبارها مستخدمة بدل ان تكون مؤتمنة ما يسقط مقوم الدولة الوطنية. هذا حال السلطة في لبنان، لا تعرف ما تريد في قضايا السيادة وفلسفة بناء الدولة، هي اقرب الى شركة تضطلع ببعض الامور المالية والإدارية والأمن الداخلي (وهي فاشلة ايضا في ذلك)، واما المجتمع فإننا امام مجتمع لبناني يتميز عن كثير غيره من بلاد الشامات والخليج حيث المجتمعات مقيدة بالأصفاد النفسية وفاقدة القدرة على المبادرة السياسية. ان بنية المجتمع اللبناني وطبيعته جعلته حيويا نشيطا أفعل من كل حكوماته وغالبا ارشد، فلم تنجح كل محاولات تفكيك السياسة عن المجتمع كما في بقية الدول العربية ولا تفكيك الفضاء العام عن القضايا الكبرى فاستمر الصراع في جوهره على معنى السيادة والموقف من فلسطين والموقف من الغرب وإسرائيل والعروبة الحضارية والقيم والكرامة الوطنية الخ . بقي جزء كبير من الشعب اللبناني يحمل قضايا اخلاقية وانسانية وقضايا عدالة ولم ينصاع للحاكم وارادة الخارج ولا للسطحية والتفاهة رغم كل التحديات التي مر بها في تأريخه. ان المقاومة بالنسبة لشريحة واسعة في لبنان والاقليم ارادة حقة ومصدر شرعية ومشروعية على السواء ومدخلا لازما لتثبيت التنوع ولا تحتاج شرعية من احد.
نختم، المنطق والعقل يقول ان الشعوب في طريقها لنيل تحررها لا تتوقف امام “خضة” تصيبها او تواجهها او حتى امام إخفاق وهزيمة فيما لو وقع بل تستمر وتكمل، والا لما يعود للتأريخ معنى وقيمة ولا يعود للتربية والاجتماع مكان. فالمعيارية ليست ترفا ولا عيبا بل هي حاجة بشرية متأصلة وهي ضمانة لاستمرار التأريخ ونموه. فالذي يتخلى عن السيادة لعدوه يتخلى عما هو ادنى ويدخل مسار الهبوط في كل شيء وهو ما لا يجب ان يسمح به أيُما شريف في أوطاننا.



