اراء

حين يلوم الأمير من يقاتل في سبيل الله

بقلم: د. معن علي المقابلة..
في مداخلة متلفزة على قناة “العربية”، أطلق الأمير السعودي تركي الفيصل تصريحاً مستهجناً حين قال إن “قادة حماس لم يسمعوا توجيهات الله سبحانه وتعالى، فهل يستمعون إلى توجيهاتي أنا!”، في رد على سؤال حول ما إذا كان لديه نصيحة يوجهها لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” في ضوء المؤتمر الدولي لحل الدولتين الذي رعته السعودية وفرنسا في نيويورك.
هذا التصريح ليس عادياً، لا في توقيته، ولا في مضمونه، ولا حتى في سياقه السياسي والأخلاقي. فالأمير تركي، الذي قاد الاستخبارات السعودية لربع قرن، وعمل جنباً إلى جنب مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في دعم “الجهاد” ضد السوفييت في أفغانستان، يلوم اليوم “حماس” لأنها تقاتل الكيان الصهيوني، ويتهمها بأنها لم تلتزم بـ”توجيهات الله”.
فهل كان الجهاد مشروعاً إلهياً حين وافق هوى السياسات الأمريكية في الثمانينيات، وتحول إلى خروج عن الطاعة والشرعية عندما أصبح موجهاً ضد الاحتلال الإسرائيلي؟ ألم يكن المجاهدون الذين دعمهم الأمير بالأمس هم أنفسهم الذين وُصموا لاحقاً بالإرهاب عندما انقضت الحاجة الأمريكية إليهم؟
تصريحات الأمير لا تخلو من مفارقة عجيبة: فـ”حماس” التي تقاتل تحت راية “لا إله إلا الله”، وتدفع من دماء أبنائها ثمناً باهظاً يومياً، تُلام وتُتهم بعدم سماع “توجيهات الله”، في حين أن من يطلب منها الاستماع إلى قرارات مؤتمر قاطعته حتى الولايات المتحدة، لم يُطالب يوماً الكيان الصهيوني بالاستماع إلى صوت العدالة الدولية أو احترام القرارات الأممية التي تجاوز عددها المئات.
أما الحديث عن “حل الدولتين” الذي ورد في الوثيقة الختامية للمؤتمر، فليس جديداً، فقد تبنته السعودية نفسها في مبادرة بيروت عام 2002، حين دعت الدول العربية للاعتراف الكامل بالكيان الصهيوني مقابل إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967. وماذا كانت النتيجة؟ لا شيء. بل قابلت تل أبيب تلك المبادرة بازدراء، وأمعنت في التوسع الاستيطاني والتهويد، دون أن تحرك الرياض أو غيرها ساكناً.
فإذا لم تُحترم مبادرة عربية صدرت بالإجماع عن القمة، هل يعقل أن يكون مؤتمر ترعاه الأمم المتحدة وتقاطعه واشنطن أكثر فاعلية أو إلزاماً؟
إن لوم “حماس” لأنها لا تنصاع لمخرجات مؤتمرات لا قيمة لها على الأرض، بينما لم يُطلب من الاحتلال أن ينصاع حتى لقرارات مجلس الأمن، هو قلب للحقيقة، وتبرئة غير مباشرة للمجرم، واتهام للمجني عليه.
الحقيقة أن المقاومة ليست بحاجة إلى نصائح من على موائد المفاوضات العقيمة، ولا إلى توجيهات من أولئك الذين سئم الناس من وعودهم المتكررة، بل تحتاج إلى من يدعم صمودها، أو على الأقل، يكف لسانه عنها.
في النهاية، من يقاتل الاحتلال اليوم، لا يفعل ذلك بحثاً عن منصب، ولا سعياً وراء تفاهمات دولية عابرة، بل إيماناً بأن الأرض لا تُحرر إلا بالمقاومة، وأن الطاعة الحقيقية إنما تكون لأوامر الله، لا لمخرجات المؤتمرات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى