العلاقات الصينية الأميركية بين التصعيد وإعادة التوازن

بقلم: تمارا برو..
كانت الصين هي الشغل الشاغل للرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، إذ كان من النادر أن لا يتهجم ترامب عليها في خطاباته وتصريحاته. وقد قام بفرض الرسوم الجمركية عليها، وشنّ حرباً على شركة هواوي الصينية، واتهم بكين بنشر فيروس كورونا الذي وصفه بـ”الفيروس الصيني”، وغير ذلك من الأمور التي وترت العلاقات بين البلدين.
وخلال حملاته الانتخابية لولايته الثانية، صرّح الرئيس ترامب بأنه سيزيد الرسوم الجمركية على السلع الصينية لتصل إلى 60% أو 100%. كما أنه حذر بكين من أن أي هجوم على تايوان سيقابله فرض رسوم جمركية عليها، فأثارت هذه التصريحات التكهنات بأن العلاقات الصينية الأميركية ستشهد مزيداً من التوتر خلال ولاية ترامب الثانية.
وبعد تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، اتبع الرئيس ترامب سياسة لينة وسلسة تجاه الصين، فكان يدعو إلى علاقة جيدة معها ويمدح الرئيس الصيني شي جين بينغ، ولم يفرض رسوماً جمركية مباشرة عليها، ما دفع العديد من المراقبين إلى التوقع بأن سياسة ترامب تجاه الصين في ولايته الثانية ستكون مختلفة عما كانت عليه خلال ولايته الأولى، وأن العلاقات الصينية الأميركية ستشهد تحسناً، وخصوصاً أن الرئيس ترامب يُعرف بحبه لعقد الصفقات، وأن الصين بارعة في عقد الصفقات، فيمكن أن تجلب ترامب إلى صفها عبر إبرام الصفقات معه.
ولكن ما لبث أن بدأ الرئيس الأميركي بالهجوم على الصين، إذ قام بداية بفرض رسوم جمركية على البضائع الصينية بلغت 20%، متهماً بكين بالتقاعس عن وقف شحنات المواد الأولية لصناعة الفنتانيل، ثم بدأ بزيادة الرسوم الجمركية عليها لتصل إلى 145%، مقابل فرض الصين رسوماً جمركية على الواردات الأميركية وصلت إلى 125%، وتقييدها تصدير أنواع معينة من المعادن النادرة.
وبالنظر إلى الضغوطات التي تعرض لها كلا البلدين، فقد اتفقا على عقد اجتماعات لاحتواء الحرب التجارية بينهما وإبرام اتفاق تجاري؛ فعقد الاجتماع الأول في جنيف، حيث تم الاتفاق على أن تخفض الولايات المتحدة الرسوم على السلع الصينية من 145% إلى 30%، فيما تخفض الصين رسومها على السلع الأميركية من 125% إلى 10% بشكل مؤقت لمدة 90 يوماً.
ولكن ما لبثت العلاقات أن توترت مجدداً، وقام كل طرف باتخاذ تدابير مضادة ضد الطرف الآخر، إلى أن أجرى رئيسا البلدين اتصالاً هاتفياً واتفقا على العودة إلى المفاوضات، إذ تم عقد اجتماع بينهما في لندن في حزيران الماضي. ومنذ ذلك الحين، يخفف كل طرف ضغوطه تجاه الآخر. وقد استأنفت بكين تصدير المعادن الأرضية النادرة والمغناطسيات التي كانت قد أوقفتها بسبب التدابير التي اتخذها ترامب ضد الصين.
اعتقد كبار مسؤولي إدارة ترامب أن بكين ستنهار إذا تم فرض الرسوم الجمركية عليها، وخصوصاً أن اقتصادها يعاني من تباطؤ في النمو، لكن الصين فاجأت واشنطن بفرض رسوم جمركية على السلع الأميركية، كما استخدمت ورقة مهمة تملكها للضغط على الولايات المتحدة الأميركية، فقيّدت المعادن النادرة التي يحتاجها صانعو السيارات والمعدات العسكرية والأجهزة الطبية والإلكترونيات الأميركيون.
كما يبدو، فإن إدارة ترامب أدركت المخاطر التي ستلحق بها من جراء معاداة الصين وفرض الرسوم الجمركية عليها. لذلك، لجأت إلى استمالة بكين وعقد الصفقات معها.
لسنوات ماضية، كان تقييد وصول الصين إلى أشباه الموصلات الأميركية يؤرق بكين التي حاول مسؤولوها إثارة هذا الملف في الاجتماعات التي جمعتهم مع المسؤولين الأميركيين. وما من شك في أن القيود الأميركية على تصدير الرقائق الإلكترونية إلى الصين أثرت فيها كثيراً، وإن كانت بكين قد تمكنت في بعض الأحيان من الالتفاف عليها.
وكانت إزالة الضوابط المفروضة على أشباه الموصلات هي أحد أكبر الطلبات التي كانت الصين تريدها. وكما يبدو، فإن بكين طلبت إزالة بعض القيود على الرقائق الإلكترونية، وهي إجراءات فرضتها الولايات المتحدة الأميركية لإبطاء المكاسب التكنولوجية والعسكرية للصين في مقابل إعادة تصدير المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة، بمعنى أن الصين استغلت حاجة أميركا للمعادن النادرة لتجبرها على إزالة بعض القيود المفروضة على تصدير الرقائق الإلكترونية.
عندما كان المسؤولون الأميركيون والصينيون يلتقون، كانت بكين تثير اعتراضها على ضوابط التكنولوجيا الأميركية، غير أن المسؤولين الأميركيين كانوا يتذرعون بأن هذه الإجراءات هي مسائل تتعلق بالأمن القومي، وليست قابلة للنقاش.
ولكن في اجتماع جنيف الذي عقد في أيار الماضي، قدمت الصين ذريعة مفادها أن معادنها ومغناطسياتها التي يستخدم بعضها في الطائرات المقاتلة والأسلحة تعد تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام يمكن استخدامها في الصناعات العسكرية والمدنية على حد سواء، تماماً مثل الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية، وطالبت بالمعاملة بالمثل، وأصرت على أنه إذا أرادت الولايات المتحدة الحصول على المعادن النادرة، فعليها أن تخفف من ضوابطها التكنولوجية.
بالفعل، كان لبكين ما أرادت، إذ تراجع ترامب عن القرار الذي اتخذه قبل أشهر عندما منع الصين من الوصول إلى رقائق H20 التي تصنعها شركة إنفيديا الأميركية، وهي أقوى رقائق ذكاء اصطناعي سمح للشركة ببيعها للصين. في المقابل، باشرت بكين تصدير معادنها ومغناطسياتها الأرضية إلى الولايات المتحدة، إذ قفزت صادرات الصين من المعادن الأرضية النادرة إلى أميركا في حزيران الماضي بأكثر من 7 أمثال ما كانت عليه في أيار الماضي.
ونظراً إلى ورقة الضغط التي تملكها بكين ضد الولايات المتحدة الأميركية، أي المعادن الأرضية النادرة، تحاول واشنطن تقليل اعتمادها على الصين في هذا المجال، ولكن لا يوجد حلّ سريع، فالصين تنتج 90% من المغناطسيات. ومؤخراً، أعلنت عن كشف رواسب كبيرة من معدن أرضي نادر غير معروف سابقاً في منطقة منغوليا الداخلية الذاتية الحكم في شمالي الصين الذي يعد أساسياً في تصنيع محركات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح البحرية.
يحاول الرئيس الأميركي ترامب التعامل بهدوء مع الصين لتأمين الجو المناسب لعقد قمة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ؛ هذا اللقاء الذي ينتظره ترامب كثيراً، والذي يتحدث عنه دائماً بهدف عقد الصفقات. وبحسب بعض التقارير، فمن المحتمل أن يتم لقاء بين الرئيس الأميركي ونظيره الصيني على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (أبيك) المقرر عقدها بين 30 تشرين الأول و1 تشرين الثاني في كوريا الجنوبية، أو قد يزور ترامب الصين قبل ذهابه لحضور القمة.
بناء عليه، إذا استمرت الأجواء الإيجابية بين بكين وواشنطن، فالاحتمال بأن توافق الصين على عقد قمة بين الرئيسين كبير، ولكن إذا توترت العلاقات مجدداً فسترفض الصين عقدها.
مثلاً، الشهر المقبل، سيكون الرئيس ترامب أمام امتحان كبير قد يوتر العلاقات بين بكين وواشنطن، إذ من المتوقع أن يتوقف الرئيس التايواني ويليام لاي في الولايات المتحدة كمحطة عبور قبل زيارته لأميركا الجنوبية. هذه الخطوة من شأنها أن تثير غضب بكين التي حذرت أميركا من السماح بعبور لاي عبر أراضيها.
ستبقى العلاقات الصينية الأميركية تشهد مداً وجذباً، إذ من المحتمل أن يتم الاتفاق بينهما ويتنازل كل طرف عن بعض الملفات، ولكن ستبقى العلاقات تشهد توترات بين الحين والآخر، فالرئيس ترامب الذي يعتبر نفسه الإله الأسمى على العالم يريد أن تكون أميركا عظيمة مرة أخرى، فيما الصين في عهد الرئيس شي جين بينغ تريد أن تؤسس الصين العظيمة.



