ثقافية

شرق الأحزان.. مدينة الحلم والأمل

كلما اوغلنا بعيدا، ونحن نركب الموجة نروم أن نغادر امكنتنا ونحن نعتلي مراكب الرحيل، نجد انفسنا ـ دونما تخطيط او تعمد ـ لصق تلك الجدران. الجدران المشبعة بروائح دعاء الامهات والوان العباءات التي احال سوادها ضوء النهار وغبار الطرقات الى لون اخر، لون شرق حزين، شرق احزان تكبر او تصغر. نغرق في مساءات “الثورة” المدينة حيث يختلط الوجع بالمسرة.. الثورة الامكنة والبيوت التي تتداخل الى حد المحو..
هذه الاحالة او الاستهلال يحيلنا الى الشرق الحقيقي الذي يمثل المكان المهيمن في رواية “شرق الاحزان” للروائي “عباس لطيف” الصادرة عن دار الجواهري 2015، التي تبدأ عتبتها النصية الاولى عبر الغلاف الذي يحمل صورة مشتركة لشخصيات كثيرة تشترك كلها في رفعها للايدي.. الايدي المفتوحة الاصابع.. المرأة ويدها القريبة من وجه القارئ، والجندي الذي يحمل يده وهي تتجه نحو السماء وايدٍ واذرع غارقة في الغيم. هذه الشفرات تعد الدلالة الاولى للاحتجاج والخروج من شرنقة الحزن الكبير المهيمن على المدينة. ولا نخرج من غابة الكتل السردية في الغلاف لنقع على استهلالات اقتطعها الكاتب من دوستويفسكي وكافافيس وكارلوس فوينتس في عبارة مقصودة عناها الروائي التي تقول: “المؤرخون الحقيقيون هم الروائيون”، والتي تحيلنا الى السؤال الجوهري: هل تمكن عباس لطيف في احزانه الشرقية من ان يؤرخ بشكل حقيقي اسطورة الفقر؟.. اسطورة مدينة.. متمثلة في بيت محدد تراكمت فيه شخصيات اشتركت في الهم.. الهم السياسي والثمن المدفوع سلفا كما في شخصية “محسن” المخابر الذي يعتقل في يوم 8 شباط الأسود، ويستمر اعتقاله لسبعة اعوام متنقلا من سجن الى اخر، ليخرج من السجن وهو يحمل عقدة الوقوف دائما في المكان الصحيح حتى لا يتعرض الى ما تعرض له، برغم اقراره انه سيبقى يحمل الافكار الجميلة في اعماقه. وشخصية الاب والام وكامل والاخ الاكبر “حامد” والاخوات “زهرة ونجاة وسارة”.
من هنا ينطلق الروائي مراقبا ومتابعا مصائر ابطاله، فيمر على معالم وديكورات المدينة الراسخة، بدءاً من السينما في الكيارة ومكتبة عباس بن الاحنف، ساحة فريق اتحاد فيوري التي تقابل دور الشهداء، والروسية “سوبولينا” التي غيرت اسمها الى “سعدية”، التي تسكن مع زوجها المهندس سليم في منطقة الجوادر. وقد بيّن الكاتب في مستهل الرواية الى ان البوح الذاتي والتداعيات الداخلية لشخصيات الرواية موضوعة بين قوسين، ومن هنا فانه افرد مداخل الفصول او الابواب التي رقمها من رقم 1 الى رقم 21 كل مدخل يضع المؤلف شيئاً من اللغة الفخمة كتمهيد لما يعتمل في اعماق الشخصيات التي تتوالى واحدة اثر اخرى.
شخصيات كثيرة استطاع الكاتب ان يمسك كل شخصية بذكاء وحرفية، الكثير من الشخصيات النسائية التي كان لها تأثير كبير في نمو الاحداث وتداخلها، وتعدد الشخصيات وتسييرها أجبر المؤلف الى استخدام تقنيات عديدة، فرضت بعضها عليه استخدام لغة الريبورتاج وهيمنة طابع السيرة الذي يتطلب لغة بسيطة الذي لم يقلل اطلاقا من فنية الرواية، اثار فينا “عباس لطيف” في شرق احزانه الكثير من الشجن اللذيذ.
أبارك للروائي والناقد المسرحي عباس لطيف هذا المنجز الذي يعد اضافة الى سلة السرد العراقي والعربي.

محمد علوان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى