ثقافية

(ق. م) كي لا يعود دكتاتوراً ثانية.. إصدار جديد لمؤلفه لؤي عمران موسى

707

سلام البهية السماوي

صدر عن دار تموز للطباعة والنشر في سوريا كتاب (ق. م) كي لايعود دكتاتور ثانيةً, لمؤلفه لؤي عمران موسى.
ويعد الكتاب الجديد سلسلة من احداث مرت وعاشها المؤلف في مدة الاعتقالات والتعذيب التي مارسها النظام البعثي في العراق، ويعد ايضا وثيقة ادانة للنظام البائد، اي بمعنى اخر هو سيرة سجين سياسي عراقي.
سنتمتر واحد فقط في ضمير العالم
وقد كتب لمقدمته, الكاتب والناقد المعروف الاستاذ نعيم شريف جاء فيها:
“كيفَ لمُخيلة غضَّةٍ أن تفهم سؤال الحرية؟ وكيفَ لروحٍ خضراء أن تُفسِّرَ جفاف العالم؟ تلكَ معاناة من دونِ مُسوّغ، الحرية خارج أطر التعريف النظري، سفرٌ في تلقائية مجرى الحياةِ، لا رادَّ لحتميتها ، هي حقٌ يُمارس من دونِ أن تكون لأي سلطةٍ، في هذا الكون، أحقيّةُ أن تسلبها، لكن الدكتاتوريات لها قوانينها ونواميسها التي تتيحُ لها أن تطأ الحياة وطُلاّبها.
ابن التاسعة عشرة، الفتى المُحتشد بالأحلام الثورية في تغيير العالم، المهموم بأن “الخبز للجميع”، لم يكن يعبأ بخرقهِ قوانين اللعبة، الأحلامُ الورديةُ عن عالم يعيشُ فيه الناس برغدٍ وسلام، تُظلَهم غيمة المساواة ويحفُ بهمُ العدلُ، كانت هاجس الفتى الحالم، فعندهُ لا بد أن يكون الخبزُ مشاعاً والسكنى مشاعٌاً والعلمُ مشاعٌاً، وتلك رصاصات تتجهُ إلى قلب الرأسمالية وأدواتها من طغاةٍ محليين. لا سبيل مُتاحاً لمثل هذه الأحلام، ليس، في الأقل، تحت نظر عَسس الدكتاتورية، ولذا كان اعتقال فتى الأحلام أمرٌ لا مناص منه..
في اللحظات الأولى للاعتقال، تخلعُ الأشياء أقنعتها، وتبدأ الملامح القبيحة للواقع المُر بالتَكَشُّف، للمُعْتَقَل، شيئاً فشيئاً، مع أولى الألفاظ النابية تَتَهَشّم عند، بسام، فكرة الكرامة المُصانة للمواطن، ومع الركلات والصفعات والتعذيب المنهجي، يكون حقُ المرء في الحياة، شكلاً من أشكال الخُرافة، فالحياة، عند الأنظمة الدكتاتورية هي: فسحةُ”.
الحياة التي يرغب رأس الهرم في السلطة أن يَهبها لك أو يَمنعها عنك, تحت ظل الدكتاتورية، يُراد لك أن تَعي أن الحياة والموت هما من اختصاص الرئيس، وتُدَرّب على فكرة أن الرئيس كينونة ثابتة ومُطلقة، لهُ الحقَ وحده، بسببٍ من تَفَرُّده، أن يرثَ الأرض وما عليها، وله الحقُ أن يُحيي ويُميت، وهو لهذا مالكٌ لأرواح مواطنيه، الذين، عليهم أن يُبرهنوا انهم فداءٌ للقائد (الرئيس) وانّهم يمنحونهُ عن طيب خاطرٍ صكَّ الحيازة لهم ولذريتهم، وموتهم ليس بحاجةٍ لتبرير، فهم مادةُ أحلام الرئيس الضامنة لرفاهية الأجيال التي تأتي..
يَحارُ “بسام” في مقدار الفظاظة والقسوةِ التي يواجههُ بها رجال الأمن، يخجل من الألفاظ البذيئة ويُشفق من سماعها، ويتساءل: لماذا يتصرفون بهذه القسوة المُفرطة؟!
ربما لم يكن ابن التاسعة عشرة من العمر، ربيب الأسر المُحتشمة، تلميذُ وصايا الأب الصارمة في أن لا يُعاشر أهل السوء وان ينأى بنفسهِ عن فاحش القول، ليُدركَ أن رجال الأمن يتصرّفون بقسوةٍ لأنهُ بنظرهم ـ أي بسام ـ كاسرُ قلب الرئيس، مُعيق الحلم الذي حَلِمَهُ الرئيس نيابةً عن شعبه، في نظرهم أمثال بسام هُم من يُعرقل مسيرة الوطن، يُخرّبُ خارطة الازدهار التي حلم الرئيس بها لشعبه، وقسوتهم مع العاصين هي لحماية الوطن من “عملاء ومخربين” كما وصفهم الرئيس.
ثقبٌ صغير لرؤية الأم
عندما يحجبُك بابٌ حديدي عن رؤية ينبوع الأمان، الملاذ الفسيح للطمأنينة، مُختلف الملائكة باحة السلام، عنيتُ الأم، عليك أن: تبحث عن منفذ، ثقبٌ صغيرٌ في جسد الحديد، لا بدَّ لَكَ من أن تثقبَ ضميرَ العالم، ما دمت عاجزاً عن ان تُدرك ذلك في قلب الإنسان! توسّعَهُ بأداةٍ ما، تلك مشكلتك، وها هو ذا يتسع لمرور حبة عدس! أليس ذلك كافياً؟ يا إلهي! حسناً فلنُجرّب النظر بالعين اليمنى، آه، إنّهُ العالم الأوسع خارج زنزانة الستة أمتار، باحةُ السجن، سجن الخنّاق، مَحتشدة بالإسر المُحتجزة، ثمة سيّدة ناحلة الجسم تتقدمُ بوجلٍ من أحدهم، إنّها أمي! ربما للمرة الأولى يعرف بسام فيها أن مقولة القلب الإنساني يقفز من بين الأضلاع ليست أبداً مقولةً مجازية، لعله هَجَسَ تحرّك أضلاعه فعلاً، ورآها تطلب من حارس أن يأخذ طعاماً أعدتهُ لابنها. وكان الابن في دخيلته يعتذر منها، يأسفُ لأنّه لم يُجنِّبها مذلة سؤال السُوقة، يُجنّبها منظر أن يُطوّح حارس السجن بقدر الطعام الذي أعدته لينثره على الأرض، يرى محتوياته، أكلة “الدولمة” التي يعشقها.
كانت السيّدةُ النحيلة تتراجع مخذولةً الى الوراء، خائفة وخَجِلَة، وكانت العين اليمنى ترصدُ كل ذلك الألم عاجزة، هذا ما توفره فتحة بحجم حبة العدس، ثقبٌ صغيرٌ في باب حديدية لزنزانة، خرمٌ لنرى العالم من دون ألوان، بالأسود والأبيض.
الذكرياتُ صدى السنين الحاكي
يمضي بسام في سرده لوقائع السجن، مدة الاعتقال في مديرية الأمن العامة وبعدها في سجن الخنّاق في المثنى، ثم الصعود إلى محكمة الثورة سيئة الذكر، الأحكام الجائرة بعد محاكمة صورية اقرب إلى الملهاة السوداء، فتية يُعدمون وآخرون يُحكمون أحكاماً تصل إلى عشرين عاماً، كان كل شيء مشروع موت أو إخفاء، هذه الأرض لنظام البعث فقط.
الذكريات تترى علينا في التوقيف والسجن، وتتناول مفاصل من حياة مُختطفة يُراد لها ان تغيب غياباً كاملاً، لكن أصحاب الحياة الحقيقيين لايستسلمون لإرادة جلاديهم، لم يكفوا عن الحلم بغدٍ افضل، بوطن يعيش فيه الناس بسلام وأمان.
في السجن كما في الحياة، هناك اللحظات المضحكة واللحظات المُحزنة، يسردها لنا الكاتب بأريحية. يتذكر بسام تفاصل سجنه بروح غفورٍ سمحة، لكأنما علّمته السنون أن الحياة مفهوم واسعٌ وان حتى أولئك الجلادين كانوا بشكلٍ ما ضحايا, تروساً صغيرةً في آلة القهر والدكتاتورية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى