ثقافية

ضجيج الصمت

706

زهرة مراد/ قاصة تونسية

دخل عليه مكتبه من دون استئذان. أطبق الباب وراءه وتقدّم نحوه ببطء وهو يقطر دماً. ارتعب وانتفض في مقعده حتّى كاد يسقط. وضع يديه على طاولة المكتب وانحنى يحدّق فيه صامتا. لم يستطع أن ينبس ببنت شفة من هول الصّدمة. كان الدّم يسيل من كامل جسده ومن رأسه. نزلت قطرات الدّم على الطّاولة. سالت فوقها. بلغت الجانب الآخر منها ثمّ تدحرجت لتستقرّ على ركبتيه المرتعشتين. أراد أن يتقهقر فلم يستطع. كان الجدار وراءه. حاول أن يقوم من مكانه ليهرب فأحسّ أنّ شيئا قويّا يمسكه ويثبّته على المقعد. بقيَ يحدّق في عينه صامتا، ثابتا، لا يتحرّك.
مرّت بذهنه آلاف الصّور. وطرح على نفسه ألفَ سؤال. وبحث بداخله عن سبب زيارته له بالذّات. كان يرتعد. وفكره مشلول لا يقوى على شيء.
رفع يديه عن الطّاولة ومشى إلى جانبها. ثمّ استدار نحوه صامتا. ارتعدت فرائصه وهو يتساءل عمّا يمكن أن يفعل له. وضع يديه بكلّ هدوء على كتفيه. فتلطّخت عباءته بالدّماء. ولم يجرؤ على النّظر إليها. أحسّ بتدفّق الدّم الفوّار فوق جلده تحت العباءة. بقيَ يمسكه وجسمه ينزف.. ينزف.. والدّماء تسيل على جلده وتكسو ملابسه، ولم يجرؤ على فعل شيء.
فُتح الباب ثانية. فتحوّلت إليه عيناه لا إراديّاً. وسرت في نفسه طمأنينة لأنّ النّجدة قادمة. سوف يتنفّس الصّعداء في غضون ثوان. حين يقع القبض عليه وإخراجه من مكتبه. سوف ينتقم منه لِما سبّبه له من رعب وغثيان.
أُغلِق الباب وراء الزّائر الثّاني تلقائيّا. كان هو الآخر ينزف دما. دخل صامتا. فلا حاجة له بالكلام. توجّه نحوه بخطى ثابتة متّزنة. فتبخّرت كلّ آماله في النّجاة. وازداد رعبه لمّا حدّق بِه ومدّ يده إليه يمسك يده ويضعها على قلبه. كان في سكينة تامّة. لكنّه كان ينزف. تلطّخت يده بالدّماء وكاد يُغمى عليه. الدّماء في كلّ مكان في المكتب، على الطّاولة… على الأرضيّة… في يديه… على ملابسه… في أوراق مكتبه… صار المكتب كلّه أحمر.
سوف يستلّ جسده منهما برفق طالما هما هادئان وصامتان. سوف يضغط على الزرّ الموجود بجانبه ويطلب النّجدة. لكن كيف دخلا من دون أن يتفطّن لهما الحاجب ؟! كان مرتبكا غير أنّه اطمأنّ لأن يطلب النّجدة. ليس لديه خيار. فهو في كلّ الحالات ميّت، إمّا رُعبا أو على يديهما إن كانا قد جاءا لأذيّته.
لم يتمكّن من استلال جسده.
ها هو الباب يُفتح من جديد. وصل الحاجب أخيرا. سينقذه. سيطلب النّجدة. سوف تأتي الطّامّة والعامّة. وسيسترجع هيبته ويقاصِصُهما في الحال. سوف يغيّر ملابسه ويستعيد هدوءه ويأتيه الحاجب بكأس ماء بارد أو عصير يهدّئ أعصابه. وسيلتحق به زملاؤه. سوف يروي لهم ما حدث وسوف يساعدونه في فهم أسباب هذا الهجوم.
فُتح الباب. فإذا بهم تسعة زائرين. أُغلِق الباب وراءهم وتقدّموا مترنّحين. فقد كانت رؤوسهم تتدلّى على صدورهم وقد ذُبحوا من الوريد إلى الوريد. تغطّي أجسادهم العارية، إلاّ من الملابس الدّاخليّة، دماءٌ لا تزال ساخنة. أحاطوا به من كلّ مكان. لم يعد له أمل في استلال جسده. لقد سقطت كلّ آماله في طلب النّجدة.
مدّ كلّ منهم يديه نحوه. فوضع يديه الملطّخة بالدّماء حول رقبته وجالت بذهنه نهايته. سوف يخنقونه. أو يذبحونه. وقد يسلخون جلده عن جسده. ولكنّه لم يلمسهم ولم يقترب منهم يوما. فلماذا يفعلون به هذا؟
كانت الأسئلة مضطربة، تمرّ بذهنه متسارعة متقاطعة مع أمل النّجاة ولحظات الرّعب والفزع.
صور كثيرة مرعبة كانت تجول برأسه.
سوف يأتي الجميع بعد لحظات. ليجدوه جثّة هامدة. وسوف ينزل خبر موته أو قتله على الصّفحات الأولى من كلّ الجرائد والمجلاّت. وسوف تتناقل مواقع التّواصل الاجتماعي على كلّ صفحاتها صوره وخبر موته في مكتبه. وسوف يعلّق كلّ واحد برأي. سوف يقول البعض: “إنّه يستحقّ ذلك”. وسوف يأسف البعض لما حدث له. وستستيقظ عائلته على الفاجعة. وسوف تبكي ابنته لوعةً على فقدانه. وستقف زوجته تتقبّل التّعازي. وستكون جنازته رسميّة ومهيبة على كلّ حال.
اقتربت منه الأيادي. وحدّقت فيه كلّ العيون. وأصبح جسده شبه خرقة مترَعة بالدّم. الدّم يسيل حوله، وتحت قدميه، وفوق عباءته، وبين أصابعه… أين يتراجع ؟ لا مجال. إنّه محاصر. إنّها النّهاية. لا مفرّ.
كان الجميع يتحرّك في صمت. وكان لصمتهم ضجيج لا يقوى على تحمّله. لم يكن قادرا على الحراك. فكلّ العيون عليه. وكلّ الأيادي موجّهة إليه. ولا أحد يسمعه. ولا أحد يعرف ما يدور في مكتبه.
اقتربت الأيادي أكثر من رقبته. ها هي تحيط بها. إنّه يشعر بالاختناق. لم يعد يستطيع التنفّس. برزت عيناه وخارت قواه وارتخى جسده بين أيديهم حين شعر بيد باردة تلامس وجهه وسمع صوتاً مألوفا : “لقد حان وقت ذهابك إلى المحكمة”. انتفض بسرعة فوجد نفسه في فراشه وزوجته تقف حذوه توقظه حتّى لا يفوته وقت العمل. قالت وقد لاحظت تغيّر لون وجهه: “ما بك؟ يبدو عليك الإرهاق. وكأنّك كنت تقود معركة”. “إنّها فعلا لمعركة”.ماذا تقصد؟ لم أفهم. أأنت تهذي؟ لا تهتمّي. إنّه كابوس. سأتخلّص منه.
ونهض مسرعا كمن كان له موعد. استعدّ للخروج بكلّ سرعة. وغادر دون أن يفطر.
لم تفهم زوجته ما حدث. بقيت تتساءل دون جدوى. فلم تعهد فيه هذا الغموض. لكنّها أجّلت تساؤلاتها لحين عودته ومضت إلى حديقة البيت تسقي أزهارها.
وصل مكتبه مبكّرا على غير عادته. حدّق في كلّ أركانه قبل أن يضع محفظته على الطّاولة. وكأنّه يريد أن يتأكّد من أنّه كان كابوسا لا أكثر. ثمّ تفقّد “الرّوب” الأسود المعلّق في الرّكن المقابل له. بقي صامتا لحظات نادى على إثرها حاجبه. بادره الحاجب بالتّحيّة ثمّ قال : “هل أحضر لك قهوتك الآن”؟ “لا. بل أريدك أن تتوجّه إلى الأرشيف وتأتني بملفات القضايا التي سُجِّلت أرقامها هنا”. ومدّ له ورقة. وأمره أن يستعجل. نفّذ الحاجب الأوامر. وانطلق مسرعا باحثا عن ملفّات كاد الغبار يغطّي تفاصيلها..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى