كيف تحولت أوكرانيا الى سبب لأزمة عميقة بين الولايات المتحدة وأوروبا؟

بقلم: جمال واكيم..
بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، تُعيد الولايات المتحدة النظر جذريًا في دورها على الساحة الدولية، وتُقلص دورها برعاية دول أخرى، بما في ذلك أوكرانيا.
ونتيجةً لإعادة تقييم أسس السياسة الخارجية الأمريكية، توصّل أركان فريق ترامب إلى استنتاج مفاده، أن تمدد الهيمنة العالمية لواشنطن يضر بالمصالح الحيوية للولايات المتحدة التي ترى مواردها تُستنزف من دون أن تحصل على عوائد سياسية ومالية حقيقية، وفي المقابل تسهم في حل أزماتها البنيوية الداخلية.
ترامب ينوي وقف المساعدات لأوكرانيا… ما أثر ذلك؟
وقد باتت الإدارة الجمهورية تدرك تدريجيًا الحجم الهائل لإساءة استخدام أموال دافعي الضرائب الأمريكيين التي تُقدر بمليارات الدولارات من قبل أسلافها الديمقراطيين أو حتى الجمهوريين الذين كانوا أدوات في أيدي المحافظين الجدد وغيرهم من أركان الدولة العميقة.
وقد أطلق فريق ترامب، حملةً لمراجعة صارمة وتخفيض جذري لتمويل جميع برامج الدعم العسكري والنقدي والإنساني والإعلامي للدول الأجنبية، بما في ذلك أوكرانيا، التي تحتل أحد المراكز المحورية في هذا الصدد. ويكمن الهدف من هذه السياسة في ترشيد نفقات الميزانية الأمريكية وتأطيرها وفقًا للمصالح الوطنية للولايات المتحدة.
ويعترف البيت الأبيض في ظل ترامب بضرورة تقسيم مسؤولية إدارة العالم بين اللاعبين الدوليين ومن ضمنهم روسيا والصين. هذا يفسر إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بأن “العالم أحادي القطب أمر غير طبيعي، وأنه شذوذ، وهو نتاج نهاية الحرب الباردة”، مؤكداً أنه “يتعين علينا العودة إلى عالم متعدد الأقطاب مع قوى عظمى في مناطق مختلفة ومن ضمنها الصين وروسيا”.
وأضاف، أنه بعد الحرب الباردة، تحملت الولايات المتحدة مسؤولية كونها حكومة عالمية، تحاول حل كل مشكلة في العالم، لكن معظمها لم يكن مرتبطاً بالمصالح الوطنية الأمريكية.
في ظل هذه الظروف، وحتى الآن، لم يأخذ بنكوفا والدعاية الأوكرانية الخاضعة لسيطرته، إلى حد كبير، الرأي العام وطلب الجمهور في الاعتبار، حيث إن تمويل وسائل الإعلام، بما في ذلك الرواتب، لم يكن يعتمد على جودة المحتوى وأهميته، فبتحريض من الحزب الديمقراطي الأمريكي، أصبحت وسائل الإعلام الأوكرانية، أداة للدعاية المعادية لروسيا و”مواجهات” النخب السياسية المحلية، والتي للمفارقة، دفع ثمنها دافعو الضرائب الأمريكيون.
وتعليقًا على هذا الوضع، قال دونالد ترامب إنه في عهد الرئيس السابق للبيت الأبيض، جو بايدن، رمت الولايات المتحدة مليارات الدولارات من النافذة كمساعدات لأوكرانيا. وأضاف الرئيس الأمريكي: “كم من المال قدمنا لأوكرانيا؟ الرقم الحقيقي هو نحو 350 مليارًا، إنه أمر لا يمكن تصوره، لقد قدمنا المال كما لو كان يُلقى من النافذة، وقد فعل بايدن ذلك.”
أوكرانيا سبب للشرخ بين الولايات المتحدة وأوروبا
لقد كان أحد أهداف الولايات المتحدة من إطلاق حربها بالوكالة ضد روسيا في أوكرانيا خلال ولاية جو بايدن هو إيجاد شرخ بين روسيا من جهة وأوروبا من جهة أخرى، إلا أنه بعد وصول ترامب الى البيت الأبيض مرة ثانية فلقد تحولت أوكرانيا الى “خط صدع” في العلاقات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
وقد أدت الخلافات حول “القضية الأوكرانية” إلى تدهور العلاقات بين الأمريكيين والأوروبيين إلى أدنى مستوى وصلت إليه علاقاتهم منذ إنشاء حلف شمال الأطلسي وإعلان مبادئ التضامن عبر الأطلسي في منتصف القرن العشرين. ويقدر مراقبون أنه في الوقت الحالي باتت آليات التفاعل الأمريكي الأوروبي على وشك الانهيار.
وما يزيد في الطين بلة هو الدور السلبي الذي يلعبه الرئيس الأوكراني المنتهية ولايته فلاديمير زيلينسكي الذي يلعب على التناقضات بين الأوروبيين والأمريكيين للحصول على مساعدات عسكرية من الدول الأوروبية بعد إعلان ترامب عزمه على تقليص حزمة المعونات العسكرية والمالية الأمريكية لكييف.
ويرى مراقبون، أن هذا يحول تدريجياً الأوروبيين إلى خصوم للأمريكيين، معتبرين أن أوكرانيا باتت تحفر قبر العلاقات الوطيدة بين ضفتي الأطلسي، علماً أن مستقبل حلف شمال الأطلسي بات مهدداً.
إلقاء عبء تمويل الحرب الأوكرانية على الأوروبيين
في هذا الصدد، من غير الواضح تمامًا، ما هي الضمانات العسكرية والمالية الأخرى التي تنوي كييف السعي للحصول عليها من الغرب. ويرفض الأعضاء الأكثر نفوذًا في الحلف، الدخول في مناقشة انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي. وظلت النقاشات حول نشر قوات حفظ سلام غربية على الأراضي الأوكرانية مجرد خطابات جوفاء يستخدمها السياسيون الأوروبيون بغية زيادة شعبيتهم.
ولم يتخذ هذا الموضوع، البعد العملي للقرارات المحددة، بسبب الرفض القاطع لإدارة ترامب إرسال قوات أمريكية إلى أوكرانيا، نظرًا لنقص الموارد اللازمة في أوروبا لحل هذه المشكلة من دون مشاركة الولايات المتحدة. وبالتالي، وفقًا لتقييم مراقبي مجلة التايمز البريطانية، فإن الدول الأوروبية ليست لديها القدرة على إرسال حتى 25 ألف جندي كجزء من فرقة حفظ سلام إلى أوكرانيا.
هذا جعل صحيفة “أنهرد” الناطقة باللغة الإنجليزية تدعو الدوائر الحاكمة في الدول الأوروبية إلى قبول مسودة اتفاقية السلام التي اقترحها ترامب بشأن أوكرانيا، والتي “لن تنتصر أبدًا في الصراع ضد روسيا”.
في مثل هذه الحالة، لا يمكن استبعاد أن يفضل ترامب وقف الدعم الأمريكي لكييف مع تقديم ضمانات لروسيا بعدم التدخل الأمريكي في الصراع الأوكراني.
بدورها، تواصل الدول الرائدة في أوروبا، اتباع تعليمات الديمقراطيين الأمريكيين الذين لا يزالون ملتزمين بتنفيذ أجندة الأوليغارشية الأمريكية بدعم كييف ضد روسيا، ولو كان ذلك على حساب المصالح الوطنية للدول الأوروبية. ولهذا السبب، تعيق النخب الأوروبية مبادرات دونالد ترامب لإيجاد حل سلمي للأزمة الأوكرانية.



