بداية النهضة الحسينية

أقام الإمام الحسين “عليه السلام” في مكة منذ الثالث من شعبان وحتى الثامن من ذي الحجة، وقد اختار مكة، استثماراً لأشهر الحج، ليوصل نهضته المباركة والتعريف بأهدافها إلى كل العالم الإسلامي.
ونزل في دار العباس بن عبد المطلب “عليه السلام” الموجود في “شِعب علي”، ذلك أنه لم يبقَ في مكة إلاّ هي داراً لبني هاشم، فعقيل بن أبي طالب كان قد باع دور المهاجرين من بني هاشم، خشية أن تستولي عليها قريش وتصادرها وباع حتى دار النبي “ومحطَّة الثَّانية: اِصلى الله عليه وآله”. وقد اختار دار العباس “عليه السلام” ليبدأ من هناك بالتهيئة لنهضته لأسبابٍ سياسية واجتماعية وتبليغية، وكان الموالون في جميع أنحاء البلاد الإسلامية يبعثون بمكاتيبهم إلى الإمام الحسين “عليه السلام” ويسألونه عمّا يهمهم من أمور دينهم.
البنية الاجتماعية والسياسية لمكة المكرمة، إن التركيبة الاجتماعية لمكة المكرمة منذ عهد الرسول “صلى الله عليه وآله” تركيبة قبلية، فهي من بيوتاتٍ وعشائر. وتتألف قريش من خمسة وعشرين بطناً تنقسم على قسمين؛ القسم الأول من ثلاثة وعشرين بطناً هم الأكثر عدداً ومدداً ظاهرياً. والقسم الثاني يتألف من رسول الله محمد “صلى الله عليه وآله” ومن بطنه الهاشمي وبطن عبد المطلب بن عبد مناف.
وكانت بطون قريش بأجمعها مناوئة للدعوة المحمدية، وقد أصيبت بالخيبة وشدة النكسة مما أصابها من بني هاشم عامة ومن علي بن أبي طالب “عليه السلام” خاصة بعد تعاظم أمر رسول الله “صلى الله عليه وآله”، واشتداد شوكته خصوصاً بعد معركة بدر الكبرى التي عبّأت فيها قريش كل قواها، إذ ما بقي أحد من عظماء قريش إلا أخرج مالاً لتجهيز الجيش، وقالوا: “من لم يخرج نهدم داره”.
بعد بدر ترسخ حقد قريش على بني هاشم عامة، وكانت تعلم أن علياً “عليه السلام” هو السبب الرئيسي في انهزامها وخسارتها المفجعة لقتله أبرز وجوه قريش، وقد بقي هذا الحقد دفيناً، وغذته السلطة التي كانت منبثقة من أحد أكثر بطون قريش كرهاً لآل الرسول “صلى الله عليه وآله”، وهم بني سفيان، ما يؤكد عدم وجود قاعدة شعبية تتولى الإمام الحسين “عليه السلام” وتنصره، بل كان الأمر كما وصفه الإمام السجاد “عليه السلام”: “ما بمكة والمدينة عشرون رجلاً يحبناً”.
وهذا هو السبب في عدم اختيار الإمام “عليه السلام” لمكة مركزاً لانطلاق ثورته، إذ لم تتوفر له، ولا لأخيه الحسن “عليه السلام”، ولا حتى لأبيهما علي “عليه السلام”، قاعدة موالية في مكة.
لذا وبعد دخوله “عليه السلام” مكة عكف الناس من المعتمرين والحجاج من أهل الأقطار الأخرى يفدون إليه ويجلسون حواليه ويستمعون من كلامه وينتفعون بما يسمعون منه ويضبطون ما يروون عنه، وليس فيهم من أهل مكة سوى القلّة الذين هم ليسوا من قريش بل ممّن سكن مكة بعد الفتح.
حركة الإمام الحسين “عليه السلام” في مكة
طيلة المدة التي أقام فيها الإمام الحسين “عليه السلام” في مكة المكرمة التقى مجموعة متنوعة من المشارب والميول والأفكار من وجهاء مرموقين ومعروفين في أوساط الأمة الإسلامية، وقد عرض هؤلاء على الإمام “عليه السلام” مشورتهم ونصائحهم واعتراضاتهم، كل منهم على هدى مشربه وميله وطريقة تفكيره، ولئن اختلفت تلك المشورات والنصائح والاعتراضات في بعض تفاصيلها، فقد اشتركت جميعها في منطلق التفكير والنظرة إلى القضية، إذ أن جميعها كان يرى الفوز والنصر في تسلّم الحكم والسلامة والعافية والأمان الدنيوي التي تكون برفض بيعة يزيد، ويرى الخسارة والانكسار في القتل والتشرد والبلاء والتعرض للاضطهاد إثر القيام بوجهه، فمن هذا المنطلق انبعثت جميع تلك الاعتراضات والمشورات والنصائح.
في الوقت نفسه، كان الإمام الحسين “عليه السلام” يتحرك بالفعل على أساس منطق العمق الذي جعل أساس حساباته مصير الإسلام والأمة الإسلامية، وأيضاً بمنطق الحجج الظاهرة في تعامله منطق المشورات والنصائح، فكان “عليه السلام” يراعي في ردوده وإجاباته نوع المخاطب من حيث قدر عقله ومستوى بصيرته ودرجة ولائه لآل البيت “عليهم السلام”.



