كيف صنعت استراتيجية الحكمة “تل أبيب” الجديدة.. قراءة في تحوّلات القوة والردع

بقلم: شرحبيل الغريب..
دخلت الحرب بين إيران و”إسرائيل” أسبوعها الثاني، والملاحظ في ظل تسارع وتيرة الأحداث الجارية، أن ثمة ملامح تتبدى تعكس تحوّلاً استراتيجياً تقوده إيران في هذه المرحلة بحكمة بالغة وتكتيك عال وخطى محسوبة تصوغ المشهد بطريقة تجعل المواجهة مع “إسرائيل” مكلفة ومفتوحة النهايات، ورفض الرضوخ والإخضاع حتى الآن.
الواضح، وبعد متابعة حثيثة للأسبوع الأول من مجريات الحرب، أن إيران في استراتيجية الرد على العدوان الإسرائيلي المباشر عليها، باتت أكثر ثقة وجرأة وهي التي تتحكم في المشهد، وتقود المواجهة كفاعل مباشر ورئيس وباستنزاف ذكي تعيد فيه صوغ مفاهيم القوة والتفوق العسكري في المنطقة.
القصف الإيراني النوعي والمركّز على أهداف وسط “تل أبيب” وضواحيها، يشير إلى أننا وصلنا خط النهاية للجولة الأولى من المواجهة، لكن ماذا بعد؟
الضربات الصاروخية الإيرانية الأخيرة التي استخدمت صواريخ انشطارية، واستهدافها مراكز حساسة ومهمة في “إسرائيل” يعني أننا أمام مؤشر تعاظم عسكري إيراني من حيث الدقة والقوة في منظومة الصواريخ، أما “إسرائيل” فتعيش في حالة ذهول وإنكار للواقع معاً، في وقت يتراجع أداء الدفاعات الجوية الإسرائيلية، وحسب ما تحدثت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية نقلاً عن مسؤولين أن “إسرائيل” باتت مضطرة لترشيد استخدام صواريخها الاعتراضية أمام استراتيجية القصف الإيراني نظراً إلى التكلفة العالية، هذا يعني أن “إسرائيل” بدأت تنكشف بتراجع دفاعاتها الجوية.
القراءة الهادئة للمشهد الإقليمي تقول إن ثمة استراتيجيات جديدة تنتهجها إيران قبل وأثناء المواجهة مع “إسرائيل”، القوة النووية المدعومة أمريكياً أصبحت في وضع دفاعي غير مسبوق، ولّد واقعاً جديداً جعل من “تل أبيب” ليست المدينة التي صورتها “إسرائيل” على مدار عقود مضت بالمدينة المتفوقة تكنولوجياً وأمنياً واقتصادياً، بل “تل أبيب” الجديدة المرتبكة المتخبطة التي أصبحت تتلقى الضربات بدل أن توجهها، وتحسب خطواتها بدقة بعدما كانت تندفع من دون تردد باستخدام القوة المفرطة.
الأولى/ استراتيجية الحزام المقاوم المدعوم بالصبر الاستراتيجي، والمقصود هنا دعم محور المقاومة ابتداءً من حزب الله في لبنان وحركات المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، والذي نجحت إيران على مدار السنوات الماضية في بنائه وحقق توازناً في الردع وأربك حسابات “إسرائيل” في أكثر من محطة من محطات الصراع كان آخرها بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، وهذه استراتيجية استُخدمت قبل المواجهة المباشرة والجارية بين إيران و”إسرائيل“.
الثانية/ استراتيجية الحكمة والسيطرة، فالحكمة تختلف اختلافاً كلياً عن الضعف كما حاول البعض أن يروّج أحياناً، والجمهورية الإسلامية الإيرانية تدرك جيداً أن الحرب ليست فقط من يطلق الطلقة الأولى، بل من يصمد أكثر حتى النهاية وكيف ستكون النتائج وينجح في إعادة صوغ المعادلات. ولهذا، فإن إيران وظفت منذ الأسبوع الأول الحكمة في الحرب بحيث تخوض حرباً طويلة النفس، تقبل التضحيات من أجل أهداف استراتيجية أكبر.
الثالثة/ استراتيجية الانهيار البطيء لصورة “إسرائيل” الأمنية، فمنذ نشأة “إسرائيل” حرصت على تصدير صورتها القوية التي أخافت بها كل المنطقة، وصورت نفسها بـ”الدولة والجيش اللذين لا يقهران”، إلا أن السنة والنصف الأخيرة من الحرب على غزة وما تبعها من عدوان أمريكي على إيران وردٍّ ايراني صادم ومفاجئ لـ”تل أبيب”، كشف تصدع هذه الصورة، إذ باتت “تل أبيب” تُستهدف بصواريخ إيرانية دقيقة ومتنوعة تضرب أهدافاً حساسة، فيما بات الهروب إلى الملاجئ هو المشهد المعتاد لآلاف المستوطنين الذي بدأوا ينظرون إلى “تل أبيب” الجديدة بالمكان الذي لم يعد آمناً، وهذا التآكل البطيء الذي صنعته هذه الاستراتيجية لا يقاس بالخسائر المادية والبشرية والدمار الذي تحدثه الصواريخ، بل بانهيار واضح في العقيدة الأمنية الإسرائيلية من جهة، وفقدان الثقة لدى المستوطنين بقيادتهم التي جلبت لهم الحرب و الدمار، من جهة أخرى.
الرابعة/ استراتيجية تعزيز العزلة الدولية لـ”إسرائيل”، فقد ولد الواقع الذي خلفته الحرب على غزة واقعاً جديداً على “إسرائيل” نفسها وجعلها معزولة وتزداد عزلتها يومياً بعد يوم، وهذا الواقع شكل فرصة ذهبية لإيران لتثبيت أوراقها بقوة في المنطقة بإعلانها رفض الخضوع والابتزاز في المفاوضات وإعلان موقفها وقدرتها بالرد على أي تهديد يمس أمنها القومي، وهذا ما كان إزاء الضربة الإسرائيلية المفاجئة التي استهدفت قيادتها وبعض الأهداف في طهران، لكن الأهم أمام هذه التطورات هو أن القوة في الرد والردع الإيرانيين جعل المنطقة تغلي على صفيح ساخن وجعل “إسرائيل” تسير في حقل ألغام، وكل خطوة تخطوها قد تشعل جبهة مواجهة جديدة، خاصة مع تحكم إيران بمضيقي هرمز وباب المندب، وهذا يعني أن إيران تمارس على “إسرائيل” أقصى درجات الضغط بحكمة بالغة.
هذه الحرب لن تكون قصيرة كما يعتقد البعض ولن تقف عند حدود إيران و”إسرائيل”، ستتسع رقعتها وستنخرط فيها دول وأطراف إقليمية، فأمريكا ليست على الحياد ومن يظن ذلك فهو واهم، فالترسانة العسكرية الإسرائيلية برمتها والمتجددة يومياً أميركية بامتياز، والمنطقة التي اشتعلت منذ السابع من أكتوبر 2023 ولا تزال النار تتمدد بغطرسة “إسرائيل” وجنون العظمة الأميركية يعكس تحالفاً قوياً، هذا التحالف الذي يريد ضمان خضوع المنطقة وإيران لعقود قادمة.



