عدوان ترامب على إيران بين الاستعراض والهروب إلى الأمام

بقلم: محمود الأسعد..
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ هجوم وصفه بالناجح استهدف ثلاث منشآت نووية إيرانية رئيسية في “فوردو ونطنز وأصفهان” وسط البلاد، وادعى ترامب بأن المنشآت النووية في المواقع الثلاثة قد جرى تدميرها بالكامل وبأن الهدف هو وقف قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم، وأن العملية حققت “نجاحاً عسكرياً رائعاً” على حد وصفه، وأن هذه الضربات ستجبر إيران على إعادة تقييم موقفها، وأشار إلى أن الولايات المتحدة ستواصل متابعة الوضع عن كثب مع التركيز على تحقيق السلام كأولوية قصوى، وأمَّا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فقد هنأ حليفه ترامب على العملية مدعياً بأن السلام لا يأتي إلا بالقوة التي يجب أن تسبقه.
غير أن المعلومات المتوفرة حتى الآن عن نتائج تلك الضربات التي استهدفت المنشآت النووية الثلاث على الأرض لا توحي بهذا الحجم الواسع من التدمير والتأثير اللذين يدعيهما ترامب ويحتفل بهما مع إدارته وحليفه نتنياهو، لا بل إن التقارير الأولية والتسريبات المتوفرة التي بدأت تظهر للعلن توحي بأن الهجوم “الذي نفذ بواسطة طائرات B2 وصواريخ توماهوك التي انطلقت من الغواصات” يمكن وصفه بالعملية الإستعراضية التي لا يمكن قياس حجم نتائجها الحقيقية مقارنة بالضجة الإعلامية المثارة حولها من قبل واشنطن أولاً و “تل أبيب” ثانياً..
مؤشرات أولية
أكدت جميع التقارير الواردة من الداخل الإيراني وعلى وجه الخصوص من المناطق المحيطة بالمنشآت النووية المستهدفة بأن ما جرى لم يتعدَّ استهدافاً للمنشآت الخارجية للمفاعلات النووية مع التأكيد أن المنشآت الرئيسية الواقعة تحت الأرض لم تتعرض للتدمير ولم يطَلْها الاستهداف، ومن جانب آخر أكدت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أن فرقها وأجهزتها لم تسجل وقوع تلوث إشعاعي في المواقع المستهدفة ومحيطها، بينما أظهر فيديو مصور بثته وكالة فارس الإيرانية بأن محيط منشأة فوردو بحالة طبيعية، وأفاد سكان محليون بسماعهم أصوات انفجارات ضعيفة نسبياً لا ترقى لوصفها بالضربات الكبيرة، وأكدت وسائل إعلام إيرانية أن حركة المرور بقيت في حالة طبيعية على الطرق بين المدن القريبة من المنشآت المستهدفة.. ولم تمض ساعات قليلة حتى بدأت وسائل الإعلام الأميركية وكذلك العديد من الخبراء في التشكيك بنتائج الهجمات وتأثيرها وفاعليتها على المنشآت النووية المستهدفة.
ما الغاية من هذا الاستعراض؟
لا شك بأن الرئيس الأميركي ترامب الذي اجتمع مع مجلس الأمن القومي لعدة مرات كان قد حصل على تقييم دقيق للنتائج المحتملة لتلك الضربات قبل تنفيذها، وكان واضحاً بأنه ونتيجة لذلك التقييم المسبق قد تردد كثيراً في اتخاذ قراره بالدخول المباشر في الحرب لمصلحة “إسرائيل”، وهو ما أكدته تصريحاته المتناقضة وخاصة في الأيام والساعات الأخيرة التي سبقت الهجمات، فما الذي دفعه إلى هذا العمل الجنوني الاستعراضي على الرغم من علمه المسبق بنتائجه الفاشلة؟
يمكن الحديث عن العديد من العوامل والأسباب التي دفعت ترامب للجوء إلى هذا الخيار على الرغم من المخاطر المحتملة المترتبة عليه :
أولاً؛ فشل الضربة الأولى للعدوان الإسرائيلي المدعوم أميركياً على إيران في حسم الحرب من الساعات الأولى بعد أن تمكنت إيران من استيعاب الصدمة والانتقال إلى حالة الهجوم .
ثانياً رفض إيران لدعوات ترامب للاستسلام والتخلي عن برنامجها النووي مهما بلغ حجم الأثمان التي ستدفعها في هذه المواجهة .
ثالثاً؛ التطور النوعي والتدريجي للهجمات الإيرانية على “إسرائيل” بالصواريخ والمسيرات والتي حققت إصابات مباشرة ودقيقة لأهم المواقع العسكرية والاستخبارية والأمنية والتكنولوجية الإسرائيلية، واستنزفت مخزون “إسرائيل” من الصواريخ الاعتراضية، إلى جانب العجز التكنولوجي لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية قي اعتراضها، وهو ما جعل “إسرائيل” مكشوفة بالكامل وتحت التهديد المباشر والحقيقي .
رابعاً؛ التطور التدريجي في منظومات الدفاع الجوي الإيرانية في مواجهة الطائرات الإسرائيلية المتطورة وخاصة من الجيل الخامس F35 حيث أسقطت إيران عدة طائرات من هذا النوع وغيره.
خامساً؛ فشل المخطط الأميركي الإسرائيلي لإسقاط النظام بعد أن تمكنت الأجهزة الإيرانية من كشف العديد من شبكات العملاء والتجسس في الداخل الإيراني، وبعد الالتفاف المذهل للشعب الإيراني بأطيافه كافة حول القيادة الإيرانية.
سادساً؛ الخشية الأميركية الإسرائيلية من انتصار إيراني يغير ملامح الشرق الأوسط ويعيد رسم خرائطه الجيوسياسية ومعادلات الاشتباك فيه.
سابعاً؛ الضغط الكبير الذي يمارسه نتنياهو واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة على ترامب من أجل التدخل العسكري المباشر لمصلحة “إسرائيل“.
إن تلك العوامل مجتمعة أسهمت بخلق حالة من الاستعصاء العسكري والسياسي في وجه ترامب وحليفه نتنياهو، وإذا ما أضيفت إليها الخشية من رد إيراني مفاجئ يطال مصالح الولايات المتحدة في الإقليم ويهدد وجود “إسرائيل”، ولا يستثني حلفاء واشنطن الإقليميين، لعل ذلك كله دفع بترامب للخروج من هذا الاستعصاء عبر اللجوء إلى الهجوم المباشر ولو بصيغة استعراضية على الرغم من عدم اليقين بنتائجه سواء العسكرية أم السياسية.
الأمر متروك الآن لإيران لتُفسد الاحتفال بالنصر الوهمي الذي يدّعيه ترامب وحليفه نتنياهو، وبلا شك فإن الرد الإيراني سيكون حتمياً، لكن حجمه هو ما سيحدد إنْ كانت الحرب ستستمر بالوتيرة ذاتها أم تتصاعد، أم أنها ستتوقف قريباً، كما أن حجم الرد الإيراني سيشكل المؤشر الرئيس على حجم الضرر الذي أصاب المنشآت النووية الإيرانية، فطالما اعتمد الإيرانيون سياسة الرد المتوازن بالمثل.



