الخطط الخمسية تفشل بتنويع مصادر الدخل والخروج من الاقتصاد الريعي

رغم إطلاقها منذ سنوات عدة
المراقب العراقي/ احمد سعدون..
يشهد العراق تحديات اقتصادية متزايدة في ظل الأزمة المالية الحالية التي تفاقمت نتيجة التوترات الإقليمية وتداعيات إغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الاقتصاد العراقي المعتمد بصورة شبه كلية على الإيرادات النفطية، ومع أي اضطراب في حركة تصدير النفط أو انخفاض في الأسعار العالمية، يجد العراق نفسه أمام أزمة مالية خانقة تهدد قدرته على تمويل الموازنة العامة وتأمين النفقات التشغيلية التي تعتمد عليها مؤسسات الدولة بشكل أساسي.
ورغم التحذيرات المتكررة التي أطلقها خبراء الاقتصاد خلال السنوات الماضية بشأن خطورة استمرار الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للإيرادات، إلا إن الحكومات المتعاقبة لم تتعامل بجدية مع تلك التحذيرات، واستمرت في تبني سياسة اقتصادية تقليدية تقوم على الإنفاق الريعي دون بناء قطاعات إنتاجية قادرة على رفد الاقتصاد الوطني بموارد بديلة ومستدامة.
وكانت وزارة التخطيط قد أطلقت منذ عام 2023 خطة خمسية تمتد حتى عام 2028، تضمنت أهدافاً طموحة تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل الوطني، من خلال التركيز على قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة، فضلاً عن تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي وتحفيز دور القطاع الخاص في عملية التنمية الاقتصادية.
بينما يرى مختصون بالشأن الاقتصادي، أن هذه الخطط بقيت حتى الآن ضمن الإطار النظري، ولم تتحول إلى مشاريع حقيقية ملموسة على أرض الواقع، مؤكدين، أن مرور ما يقارب ثلاث سنوات على انطلاق الخطة دون تحقيق نتائج واضحة يعكس وجود خلل في آليات التنفيذ وضعف في الإرادة السياسية والإدارية اللازمة لإنجاح هذه البرامج الإصلاحية، وأشاروا إلى أن النفط ما يزال يشكل النسبة الأكبر في تمويل الموازنة العامة، خصوصاً الموازنة التشغيلية التي تستهلك الجزء الأعظم من الإيرادات، في وقت لم تتمكن فيه القطاعات الأخرى من تحقيق أية مساهمة حقيقية في دعم الاقتصاد الوطني، فالقطاع الزراعي، رغم ما يمتلكه العراق من أراضٍ خصبة وموارد مائية وبشرية، ما يزال يعاني من ضعف الدعم الحكومي وغياب الخطط الحديثة الخاصة بالتسويق والإنتاج وتطوير البنى التحتية الزراعية.
أما القطاع الصناعي، فيواجه هو الآخر تحديات كبيرة تتعلق بتهالك المصانع الحكومية، وضعف الطاقة الكهربائية، وغياب الحماية للمنتج المحلي، فضلاً عن منافسة البضائع المستوردة التي أغرقت الأسواق العراقية خلال السنوات الماضية، الأمر الذي أدى إلى تراجع الإنتاج الوطني وإغلاق العديد من المعامل والمصانع.
وفي هذا السياق، حمّل عضو ائتلاف الإعمار والتنمية علي الفتلاوي، في حديث لـ”المراقب العراقي”، الحكومات المتعاقبة مسؤولية تراجع القطاعات الإنتاجية في البلاد، مؤكداً، أن العديد من الوزارات المهمة، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة، تحولت خلال السنوات الماضية إلى مؤسسات استهلاكية، بدلاً من أن تكون داعمة للاقتصاد الوطني والإنتاج المحلي.
وأوضح الفتلاوي، أن” استمرار اعتماد العراق على الاقتصاد الريعي أدخله في أزمات مالية متكررة، لارتباطه المباشر بعائدات النفط التي تتأثر بشكل كبير بالتقلبات الدولية والأزمات السياسية والحروب العالمية، فضلاً عن خضوع أسعار النفط لعوامل العرض والطلب في الأسواق العالمية”.
وأضاف، ان “المرحلة الحالية تتطلب منح الملف الاقتصادي أولوية قصوى ضمن البرنامج الحكومي، لاسيما في ظل التحديات المالية التي يمر بها البلد، داعياً إلى إعداد خطط استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وعدم الاكتفاء بالإيرادات النفطية فقط، عبر دعم قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة والاستثمار، لتكون قطاعات مساندة للاقتصاد الوطني”.
وأشار إلى أن “معظم الخطط الاقتصادية التي أعلنتها الوزارات خلال السنوات الماضية لم تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي، وبقيت مجرد مشاريع وأفكار على الورق، عازياً ذلك إلى هيمنة المحاصصة السياسية على إدارة المؤسسات الحكومية، والتي أسهمت في تسلّم شخصيات غير متخصصة وغير كفوءة مناصب حساسة تتعلق بإدارة الملف الاقتصادي، ما انعكس سلباً على أداء تلك الوزارات وعطّل فرص الإصلاح والتنمية”.
وفي ظل استمرار الأزمات الإقليمية والدولية، تبقى اليوم الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لاتخاذ خطوات عملية وحقيقية لإنقاذ الاقتصاد العراقي من دائرة الاعتماد الأحادي على النفط، قبل أن تجد البلاد نفسها أمام تحديات مالية أكثر تعقيداً في المستقبل القريب.



