“صمت الجبناء .. وصدى الصواريخ”

بقلم: جمعة ارحيمة الفرطوسي..
في زمنٍ تتكلم فيه الصواريخ وتخرس فيه الشعوب، تقف إيران وحدها في ساحة الحرب الكبرى، تصوغ الردود بلحن بارودها، وتكتب التوازن الإقليمي بالحرف الناري، بينما العالم من حولها يتلوى في هشاشة المواقف وتناقض الحسابات .
دونالد ترامب، الرئيس السابق والظل السياسي الحاضر، لا يزال يظن أن العالم يُدار بتغريدة، أو أنه قادر على تركيع أمة بمؤتمر صحفي أو عقوبات اقتصادية .
إيران مشروع مقاوم، يستند إلى عمق تأريخي وتحالفات عقائدية وجيوسياسية عابرة للقارات .
ترامب، بكل ما يملكه من ثروات حلفائه في الخليج، لا يجرؤ على فتح الجحيم في الشرق الأوسط لأنه يعرف أن هذه المنطقة – التي تعودت على الدخان – قادرة على أن ترد الرماد إلى صدور من يقترب منها بنار .
أما إسرائيل، فبعد أن اعتادت على شن الغارات في الليل واحتساء النصر في الصباح، بدأت تشعر بالاختناق السياسي والعسكري ، رهاناتها تنهار، وجبهتها الداخلية تتآكل، وأسئلتها الوجودية تعود من جديد كيف تُقصف تل أبيب وتبقى تل أبيب؟ من يضمن وجودًا في منطقة أصبح صاروخ كاشفًا لحقيقة الزيف الأمني الذي بنته على مدى عقود؟
حلفاء إيران في روسيا والصين يقفون موقف الحذر أكثر من الدعم، وهم يدركون أن الصراع بين إيران وإسرائيل ليس فقط معركة إقليمية، بل اختبار لإرادة الشعوب في مواجهة طغيان النظام العالمي ، لكنهم لا يملكون مفاتيح الميدان كما تملكه طهران .
هي وحدها من تُمسك زمام المبادرة، وتُسيّر الإيقاع العسكري كقائد أوركسترا تعرف متى تعلو النغمة ومتى تهدأ، متى تُستخدم القوة الباليستية، ومتى تُفتح جبهات الوكلاء .
الإعلام الغربي يحاول شيطنة أي ردٍّ إيراني، بينما يتغاضى عن المجازر اليومية في رفح وغزة .
ومن المؤسف أن الإعلام العربي – أو ما تبقى منه – قد تحوّل إلى ملحقات سياسية تروج للهزيمة، وتصفق للحياد، وتهاجم من يدافع عن القدس بينما تسكت عمَّنْ يبيعها بالمزاد .
باكستان، الدول العربية، منظمة التعاون الإسلامي، وحتى بعض الفصائل المقاومة في العالم الإسلامي، يظهرون في الصورة كشخصيات ثانوية في فيلم تُديره طهران وحدها ، لا موقف ثابت، لا فعل جريء، لا شراكة في القرار ، أقصى ما يقدمه البعض هو تصريح خجول أو مبادرة دبلوماسية فارغة تليق بلعبة الأمم لا بأمة محمد .
إيران، اليوم، لا تقاتل من أجل نفوذ سياسي أو مشروع طائفي كما يحاول أن يختزل البعض، بل تدافع عن عنوان كبير أن لا تبقى إسرائيل فوق القانون، ولا فوق الدم، ولا فوق القصاص ، إنها تقول بلسان صواريخها “إذا كنتم تخافون المواجهة، فدعوني أقودها”، وتقول لحلفائها “إني على العهد، فهل أنتم على الطريق؟”.
هذه ليست معركة صواريخ، بل معركة هيبة، إرادة، وجود، وكرامة، ومن لا يملك موقفًا، عليه أن يعتذر للتأريخ بدلًا من أن يُثقل وجدان الأمة بالخيانة والجبن .
وإلى ترامب وكل من خلفه في البيت الأبيض هذه المنطقة تعرف الحرب، وتعرف أن تُنهيها بشروطها، لا بشروط مستشاري البيت الأسود .



