اخر الأخبارثقافية

وليد حسين الساعي لصياغة موقف أخلاقي في زمن مضطرب بالحروب

يعري التطبيع وينتقد الواقع العربي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يعد الشاعر وليد حسين، واحداً من البارعين والمبتكرين في القصيدة العمودية، والقصيدة النثرية كذلك، فالقصيدة عنده معبّر حقيقي عن هموم الإنسان، لاسيما الانسان العربي، أي ما كان وما حلَّ، وسبق ليّ أن كتبت عنه أكثر من مقال تحليلي، لبعض قصائده، فهو شاعر من الطراز الأول، والقصيدة بالنسبة له، رسالة فكرية، وسياسية، واجتماعية، يعبّر من خلالها عما يجول في دواخله، من هموم وشجون وارهاصات.

وقال الناقد داود السلمان في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: ان “قصيدة “حسبي من الشعر الشهيِّ” فيها رموز معرفية، أراد أن أكشف عنها، بحسب معرفتي البسيطة، إذ لاحظت فيها امتداداً، يتكشف عن صوت شعري يحمل همًّا عميقًا لا يقتصر على الذات، بل يتجاوزها ليعبّر عن وجدان جماعي مهزوز، يشترك فيه العربي الحائر، المتعب، الذي يتأمل ماضيه وحاضره في آن معا، يحاول الشاعر أن يصوغ موقفًا أخلاقيًا في زمن مضطرب، زمن كثرت فيها الحروب، والصراعات الفكرية والسياسية التي اتعبت المجتمع، فيما أثرت على نفسيته ومزاجه”.

وأضاف: إن “القصيدة تبدأ بما يشبه مدخلًا ذاتيًا حالمًا، مشبعًا بالإيحاء الجسدي والوجداني، لكن سرعان ما يتسلل من خلفه ذلك الإحساس بالمفارقة، بالخذلان، وربما بالعبث، فحتى الجمال – ذلك الذي “يغالب ظله” – لا يبدو خلاصًا، بل إغواءً مؤقتًا أمام واقع يزداد قسوة. من هنا، يتحوّل الهيام في اللقاء والعيون والكحل إلى صراع مع الواقع ومقاومة للانجراف، وكأن العاطفة لا تستطيع أن تعيش في عزلة عن القضايا الكبرى التي تنهش روح الإنسان العربي، وتجعل منه منشطرًا، حاد المزاج، وأحياناً متناقضاً مع نفسه”.

وتابع: ان “الشاعر لا يطرح سؤالًا فقط، بل يفضح هشاشة الإجابات، وسقوط المثاليات التي طالما تشبث بها جيله، التشبيه هنا صادم، عنيف، متعمد في كسره للذائقة، ليخلق ردة فعل فكرية لا وجدانية فحسب، مع التقدم في القصيدة، نلمس تصعيدًا إيقاعيًا ومعنويًا، ينتقل من الألم إلى الغضب، ومن الحزن إلى التوبيخ، يتكرر في القصيدة استخدام الأفعال المبنية للمجهول أو للأمر، مثل “دع عنك”، “أقم بوجهك”، “تبًّا”، وكلها تعكس نبرة احتجاج وتمرّد، كأن القصيدة تتكلم لا لتُطرب، بل لتقرّع، لتوقظ، لتصرخ في وجه الصمت العربي”، في مقاطع مثل:

“قد جاءت التوراةُ.. آيةُ نهيِها كي لا يقامَ الحدُّ في معتلةْ” وهنا يتقاطع السياق مع مرجعيات دينية، لكنّه لا يتعامل معها بخشوع تقليدي، بل كمرآة تكشف تناقضات العصر، إذ تُستخدم النصوص لتبرير الظلم لا لرفعه، ولتطويع الضمير لا لتنبيهه”.

وأوضح: إن “ختام القصيدة يأتي كمرآة معتمة، تتحدث عن أقلام “يفضحها الرياء”، وعن حكّام تحوّلوا إلى “رقباء على ملاك الدولة”، وكأن لا أحد معفيٌّ من الإدانة: لا الشعراء، لا القادة، لا الجماهير، ولا حتى المتلقي الصامت. كلهم مدعوون للمساءلة. وسط هذه الفوضى، يتمسك الشاعر بالشعر – لا كزخرف لغوي، بل كأداة كشف ومقاومة. يقول: “حسبي من الشعر الشهيّ مساحةً ونسيجُهُ باقٍ كساك بحلّةْ”، “وكأن الشعر هو المساحة الوحيدة التي مازال فيها شيء من الكرامة، من الإيمان، من الستر. المعجم الذي توظفه القصيدة يشحنها بطاقة عاطفية ودلالية عالية: “الضياع، التطبيع، العار، الخيانة، الطوفان، الحلفاء، الرياء، المعتلة، الشهي، مختلة، الفقر، السفهاء، العبرات، المذلة…” كلها كلمات ترسم صورة مأساوية لعالم بلا بوصلة”.

وبين: إنّ “القصيدة تمثل بانوراما شعورية وفكرية متعددة الطبقات، تنطلق من حس جمالي داخلي، لتتحول تدريجيًا إلى خطاب حاد ينطوي على نقد سياسي واجتماعي بالغ، الشاعر يبدأ بصور شعرية حسية دقيقة، فيها رهافة ولغة مشحونة بالرمز، كما في “قوام ممشوقٍ يغالبُ ظلَّه”، وهي صورة تنفتح على التخييل والتأمل، وتكشف عن وعي بصري شعري يتجاوز المحسوس إلى ما هو دلالي”.

وأشار إلى إن “مشاهد التهكم والتقريع تتوالى، خاصة حين يتحدث عن “التطبيع” و”المال العربي” و”سفهاء الملّة”، ليكشف كيف أن التواطؤ والانبطاح باتا جزءًا من منظومة تحكم الشعوب وتستنزف كرامتها. الخطاب هنا لا يهادن، ولا يُجامل، ويستحضر الشخصيات التأريخية، كيوسف ونوح، ليس فقط كرموز إيمانية، بل كدلالات على فقدان المثال، وانهيار النماذج الأخلاقية”.

والنهاية تأتي كذروة مأساوية – سياسية وأخلاقية – في مشهد يعري الواقع العربي، حيث “مارسوا دور الرقيب على ملاك الدولة”، فتغيب العدالة ويُخنق الشعر، ويُراقب الفكر، وكأن لا بقاء إلا للذل”.

وفي الختام.. القصيدة ليست فقط مرآة لنفس مثقلة، بل هي محاولة لاستعادة كرامة غائبة عبر أدوات القصيدة: اللغة، الرمز، النقد، والصدق. هي قصيدة غضب نبيل، تكتب ضد النسيان، وضد التواطؤ، وضد تزييف الوعي، وتحاول أن تُبقي جذوة الأسئلة مشتعلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى