إيران تكسر المعادلة… كيف رسمت مشهداً جديداً في المنطقة؟

بقلم: شرحبيل الغريب..
تغيّر المشهد في المنطقة فجأة، فبعد أن كانت أنظار العالم تتجه نحو حرب الإبادة المستمرة في قطاع غزة، تحوّلت الأنظار مع تنفيذ إيران رداً غير مسبوق على “إسرائيل”، تمثل في ضربات دقيقة ومركزة طالت عمق تل أبيب ومراكز حساسة واستراتيجية فيها في يوم الرد الأول، تبعها استهداف مباشر لأهداف في مدينة حيفا، إذ شكل الرد الإيراني رسالة واضحة، مفادها أن مرحلة الصبر الاستراتيجي في إيران انتهت، والمعادلات وقواعد الاشتباك تغيرت، وحان وقت معادلات الثأر والانتقام لدماء القادة العسكريين والسياسيين، والتجرؤ الإسرائيلي على أمن إيران وسيادتها، هذا المشهد الجديد وضع الشرق الأوسط فوق فوهة بركان يغلي.
الرد الإيراني الصادم في عمق “إسرائيل” كسر حاجز الصمت وأدخل الشرق الأوسط في مرحلة اللاعودة، وبعث برسالة لكل الأطراف ذوي العلاقة، أن البوابة باتت مفتوحة للجحيم، وما جرى هو دخول مرحلة جديدة، عنوانها لا خطوط حمر بعد اليوم مع “إسرائيل”.
اعتمدت إيران لسنوات طوال استراتيجية حافة التصعيد، من دون انفجار كبير في إدارة الصراع مع “إسرائيل”، رغم ما مرَّ من أحداث، من اغتيالات سابقة لعلماء وقادة، وصولاً إلى الضربة المفاجئة التي استهدفت قيادتها السياسية والعسكرية من قادة الجيش وعلماء الذرة والمسؤولين عن البرنامج النووي، إضافة إلى منشآت عسكرية وأمنية، دفعت طهران إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك لاستعادة ميزان القوة والردع.
ما جرى على مدار يومين متتاليين من رد صاروخي إيراني على أهداف في العمق الإسرائيلي، لم يكن عملاً انتقامياً، بل شكّل إعلاناً ضمنياً عن تحول واضح في الاستراتيجيات، بالانتقال من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة الهجوم، وقد ثبّتت من خلال ردها الصاروخي المباشر، أن كلفة المساس بأمنها القومي أصبحت عالية جداً، وأنها قادرة على ضرب “إسرائيل” في عقر دارها.
ثمة أهداف متعددة الاتجاهات تسجلها الضربات الصاروخية الإيرانية التي ضربت العمق الاستراتيجي الإسرائيلي، إذ لم تكن تلك الضربات عشوائية، بل جاءت مدروسة في التوقيت والأهداف.
الأول: تثبت إيران معادلة الندية في الرد وتثبيت الردع، وأن استمرار ضرب العمق الإيراني سيقابله رد فوري ومباشر في عمق تل أبيب وضواحيها والمراكز الاستراتيجية فيها.
الثاني: للولايات المتحدة الأمريكية، ومفادها أن سياسة المباركة للضربات والتنسيق مع “إسرائيل” واستخدام القواعد الأمريكية في ضرب أهداف في إيران، قد يفجر الإقليم بأكمله، وسيفتح الباب أمام فرضية الحرب الإقليمية الشاملة.
الثالث: أن سياسة إخضاع إيران بالقوة لدفعها إلى تقديم تنازلات في المفاوضات بما يحقق الرؤية الإسرائيلية الأمريكية سياسة لن تجدي نفعاً مع إيران.
الرابع: تبعث إيران رسالة لكل حلفائها في المنطقة أن زمن الصبر الاستراتيجي انتهى، وأن طهران بقيادتها ومرشدها وحرس الثورة فيها باتوا مستعدين لقيادة مواجهة مفتوحة تحمي إيران من التغول الإسرائيلي.
على الزاوية الأخرى من الصورة، هناك إصرار إسرائيلي أمريكي على كسر جبهة إيران وتدجينها، أو تغيير النظام فيها كما حدث في العراق، لاعتبار مهم، هو أن وجود إيران يشكل إحدى الجبهات التي تعرقل بسط النفوذ والهيمنة الغربية على المنطقة، وإفشال ما سمّاه نتنياهو الشرق الأوسط الجديد، بحيث لا يبقى في المنطقة سوى أنظمة حكم تحت العباءة الإسرائيلية، لكن هذه الرغبة رد عليها عضو الكنيست الإسرائيلي أورن حازان للقناة 15 العبرية بعد قصف إيران لمدينة حيفا، فقال: “هل تتوقعون أن تخضع قوة عظمى كإيران خلال يومين؟ لا أعتقد ذلك، هم طوروا قدراتهم العسكرية على مدى 40 عاماً، لقد انتظرنا أن تخضع حماس وترفع العلم الأبيض، لكنها لم تفعل ذلك بعد أكثر من عام ونصف من الحرب”.
ثمة سؤال مهم يطرح نفسه في هذا السياق، ما بعد التصعيد هل من مخرج؟
الرد الإيراني الأخير يكشف أن المنطقة دخلت منعطفاً خطيراً وجديداً، مرحلة عنوانها الضربات الصاروخية الإيرانية المباشرة، في منطقة تغلي على صفيح ساخن، أصبحت الحرب احتمالاً لا مفر منه، لا مجرد ورقة ضغط تفاوضية.
الثابت الأول في المشهد الجديد هو أن إيران لن تعود إلى طاولة المفاوضات وهي ضعيفة، بل على العكس تماماً، فإنها قد توسع نطاق المعركة في المنطقة عبر استهداف قواعد أمريكية في دول مجاورة، وربما تقوم بإغلاق مضيق هرمز ومضيق باب المندب، ما قد يؤدي إلى أزمة عالمية في أسواق النفط والطاقة، لفرض معادلات أخرى غير المعادلة العسكرية.
أما الثابت الثاني، فهو أن إيران لا تسعى إلى حرب شاملة، لكنها تدرك أن الصمت وعدم الرد على ما جرى من اغتيالات واستهدافات لم يعد أمراً مقبولاً، ويُعد تجاوزاً لكل الخطوط وقواعد الاشتباكات، ومعادلات الردع يجب أن تتغير إلى الأبد.
المنطقة بعد الردود الإيرانية سيكون عنوانها شرق أوسط بلا خطوط حمر، الردع تغير و”إسرائيل” لم تعد وحدها صاحبة اليد الطولى، وإيران لم تعد تعتمد على استراتيجية الصبر، كما أنها لم تعد تكتفي بالدفاع عن النفس، مشهد يبعث بإشارات أكثر سخونة، فلا ضامن حقيقياً لعدم الانفجار الشامل، وبالتالي، كل الأطراف يستعدون للأسوأ، ولكن ما تخشاه “إسرائيل” وحلفاؤها، هو أن تتحول الضربات المتبادلة إلى نار لا تنطفئ، تشكل نهايات صعبة ومؤلمة، تخالف الحسابات والتقديرات السياسية والعسكرية في “إسرائيل”.



