سوريا والمقاتلون الأجانب.. هواجس الداخل ومخاوف الخارج

بقلم: شاهر الشاهر..
عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب جاؤوا إلى سوريا للقتال ضد النظام، بعضهم غادر والعديد منهم بقي في سوريا وشارك في عملية “ردع العدوان” التي أدت إلى سقوط نظام الأسد.
الكثير من هؤلاء لم يكن على علاقة جيدة بهيئة تحرير الشام، لكن من بقي منهم في سوريا كان ملتزماً بتوجهات الهيئة بالقتال داخل سوريا فقط وعدم الدخول في مشكلات مع أي دولة خارجية.
توجهاتهم الأيديولوجية ليست واحدة، فمنهم المتشدد، ومنهم المرتزقة الذين لا يعنيهم شيء سوى البحث عن المال وباقي ملذات الحياة، وهو ما جعلهم يذهبون للقتال في أوكرانيا وليبيا وغيرها من الدول.
عقيدتهم القتالية ليست واحدة، ولا يمكن اعتبار الإسلام أو الإسلام الجهادي معياراً لتفكيرهم، وخصوصاً أن بعضهم ذهب للقتال مع أوكرانيا (المسيحية) ضد روسيا.
تاريخياً، استطاعت الولايات المتحدة الأميركية توظيف الحركات الإسلامية خدمة لسياستها الخارجية ودفاعاً عن التوجهات الأيديولوجية، فكان تنظيم القاعدة الذي كان الهدف منه استنزاف الاتحاد السوفياتي في حرب لا نهاية لها استمرت 10 سنوات في أفغانستان (1979-1989).
كانت أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 نقطة تغير في السياسة الأميركية تجاه ما سمي بـ”الحرب على الإرهاب”، بعدما تبين لهم أن من نفذ تلك الهجمات جاؤوا من دول صديقة، وكانوا يحملون فكراً جهادياً سعت الولايات المتحدة إلى دعمه ليكون ذراعاً لها في مواجهة العدو الأحمر (الاتحاد السوفياتي).
في ظل النمو المتصاعد للصين وازدياد قوتها كمنافس للولايات المتحدة الأميركية، بدأت حملة غربية هدفها مواجهة الصين عبر الترويج لما سمي بـ”اضطهاد الصين للمسلمين”، فظهر مصطلح “الجهاد الأخضر” الذي يسعى للتحريض على الصين.
استنساخ تجربة تنظيم القاعدة في مواجهة العدو الأحمر (الاتحاد السوفياتي) هو أمر تخشاه بكين، وخصوصاً أن الحديث عن الجهاد الأخضر (ضد الصين) أمر بات مطروحاً أو ليس مستبعداً على أقل تقدير.
الحديث عن انضمام 3500 مقاتل من الإيغور إلى وزارة الدفاع أمر غاية في الأهمية بالنسبة إلى بكين، وسيؤثر مستقبلاً في العلاقات بين البلدين، وخصوصاً أن الإيغور كانوا عقبة بوجه تطور العلاقات الصينية التركية.
في التعاطي الرسمي مع ملف المقاتلين الأجانب
قامت الحكومة السورية بمنح رتب عسكرية لعدد من المقاتلين الأجانب عرفاناً بدورهم في مواجهة النظام السوري ومشاركتهم في نجاح الثورة، وهو ما لقي انتقادات داخلية وخارجية عبرت عنها الكثير من الدول، وخصوصاً المعنية منها بهذا الملف.
الموقف الشعبي لا يمكن معرفته بدقة، وخصوصاً أنه ليس لدينا طريقة لقياس مواقف الناس وتوجهاتهم، وكل المتحدثين عن هذا الملف يعدون نفسهم متحدثين باسم الشعب السوري ومعبرين عنه، وهي خطيئة منهجية بكل تأكيد.
حملات إعلامية ضخمة شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي هدفها تشويه صورة هؤلاء المقاتلين وتغذية المخاوف منهم، وخصوصاً في مناطق وجود الأقليات التي يمكن الجزم برفضها المطلق لوجود مثل هؤلاء المقاتلين في مناطقها.
وجاءت أحداث الساحل وما رافقها من تجاوزات لتزيد من المخاوف من هؤلاء المقاتلين، نتيجة لاتهامهم بارتكاب الكثير من المجازر في المدن الساحلية.
لجنة التحقيق لم تصدر نتائجها بعد لندرك حقيقة تلك الاتهامات، لكن العقوبات الأوروبية على ثلاثة فصائل محلية على خلفية تلك الأحداث جاءت لتبرئ المقاتلين الأجانب من تلك الانتهاكات.
الموقف الأميركي كان يتمثل بالرفض المطلق لبقاء هؤلاء المقاتلين وضرورة عودتهم جميعاً إلى بلدانهم الأصلية، وهو ما كانت الحكومة السورية ترى استحالة تطبيقه، وسعت لطلب عقد لقاء مشترك مع الجانب الأميركي لشرح وجهة نظرها منه.
يبدو أن الولايات المتحدة أصبح لديها مقاربات جديدة حول الملف السوري، وخصوصاً بعد لقاء الرئيسين ترامب والشرع وموافقة أميركا على رؤية الحكومة السورية حول ضم المقاتلين الأجانب إلى صفوف الجيش السوري، شرط عدم تقلدهم مناصب قيادية، مع غض النظر عن الترفيعات القديمة التي كانت قد صدرت عن الحكومة السورية.
انضمام هؤلاء المقاتلين إلى الفرقة 84 يعني انضمامهم ككيان وليس كأفراد، وهو ما يدعم مطالب “قسد” التي تريد الانضمام إلى وزارة الدفاع كفصيل متكامل وليس كأفراد.
أماكن وجود هذه الفرقة مستقبلاً أمر مهم، وخصوصاً أنهم كانوا يعيشون في بيئات قد تبدو متقاربة معهم. أما وجودهم في مناطق الساحل أو غيرها من مناطق الأقليات فسيجعلهم مرفوضين من تلك البيئات، نظراً إلى التباينات الفكرية والثقافية بين الطرفين.
عدم قبول عودة الضباط والجنود السوريين المنشقين عن النظام إلى وزارة الدفاع أمر يزيد من تعقيدات المشهد، فما المبرر لوجود المقاتلين الأجانب وعملهم في وزارة الدفاع في حين لا يزال نظراؤهم من السوريين يجلسون في منازلهم؟
هل جاؤوا لنصرة الشعب السوري أم لإقامة الخلافة الاسلامية؟
عند الحديث عن المقاتلين الأجانب، ينبغي التمييز بينهم من حيث الأهداف والعقائد والتوجهات، ويمكن القول إن من قبل منهم العمل مع هيئة تحرير الشام وشاركوها في معركة “ردع العدوان”، هم من قبل بشروطها المتمثلة في عدم الإساءة إلى أي مكون سوري، وعدم التفكير في القتال ضد أي دولة خارج سوريا، وعدم التدخل في معتقدات الشعب السوري ذي المكونات المتعددة.
المجتمع السوري مجتمع مغلق، بمعنى أنه ليس كغيره من المجتمعات الخليجية مثلاً، فمن النادر في سوريا أن ترى عاملاً أو موظفاً أجنبياً، بل إن ذلك بات من المستحيل، وخصوصاً بعد الأحداث التي شهدتها سوريا منذ العام 2011، فكيف للمجتمع السوري أن يتقبل مثل هؤلاء الأجانب المختلفين عنه فكرياً وثقافياً؟
إن السوريين باتوا بحاجة إلى وقت ليستطيعوا تقبل بعضهم بعضاً، بعد ما خلفته الحرب من انقسامات نفسية بين أفراد المجتمع ومكوناته، فكيف لهم أن يتقبلوا هؤلاء قبل أن يتقبلوا الآخر (السوري)! مع الإشارة إلى أن ظاهرة المقاتلين الأجانب ليست جديدة، إذ تشير حالات تاريخية إلى مشاركة المقاتلين الأجانب في النزاعات، مثل الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، حيث شكلوا 30% من القوات، والحرب الأهلية الإسبانية في الثلاثينيات، حيث منحتهم إسبانيا رتباً عسكرية. كما يعد الفيلق الأجنبي الفرنسي، الذي تأسس عام 1830، مثالاً بارزاً على دمج الجنود الأجانب في تشكيل عسكري نظامي مع فرص للترقية.
لكن الحالة السورية مختلفة بشكل كبير، فالمجتمع الأميركي مجتمع مركب جاء أفراده من جميع أصقاع العالم، كما أن عدد المقاتلين الأجانب في سوريا يعدّ كبيراً إذا ما قورن بدول أخرى يتناسب حجمها مع حجم سوريا.
المهم في الأمر هو الاستناد إلى قواعد قانونية، وأن تجري العملية وفقاً للدستور، فلا يوجد دولة في العالم تجنّس شخصاً إذا لم يكن سجله القضائي نظيفاً (غير محكوم).



